▪︎ مجلس نيوز
.
يؤكّد المقال أهمية ارتباط الإنسان بجذوره وقريته بوصفها أساس الهوية والانتماء، لا مجرد مكان جغرافي أو استثمار مادي، مستشهداً بتجربة الكاتب مع والده الراحل وقرية “عالقة” التي غرس حبها في نفوس أبنائه. ويطرح الكاتب مبادرة “جذورنا” ك رؤية لإحياء القرى التاريخية في المملكة كمراكز للهوية والتنمية المستدامة…
لاحظت كثيراً من أبناء القرى لم يعودون يعرفون عنها سوى أسمائها، بعضهم لم يزورها الا مرات قليلة وبعضهم لم يرها إلا في الصور. ومع تسارع وتيرة الحياة تزداد حاجتنا إلى التمسك بجذورنا، لا حنيناً للماضي، بل كأساس للمستقبل. فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد هويتها وكلما كانت جذور الانسان أعمق كان أكثر قدرة على الإسهام في بناء وطنه ومستقبله.
وُلدتُ في الرياض، وقضيتُ معظم حياتي بعيداً عن القرية، لكن والدي رحمه الله جعل قريتنا (عالقة) تسكننا قبل أن نسكنها يُحدّثنا عن رجالها أهلها وتاريخها، يأخذنا بين مزارعها وبيوتها القديمة، حتى أصبحت جزءً من تكويننا النفسي والوجداني بالنسبة له، الأرض ليست مساحة تُقاس بالأمتار، هي الإرث والموروث هي الأصل هي المنشأ هي السطر الأول من حكاية الوطن.
يقولون إن الإنسان كلما كبر إتسعت الدنيا أمامه، وأظن أن والدي -رحمه الله- كان له نظرة مختلفة. كأن السنين لم تدفعه إلى الأمام، بل أعادته إلى حيث بدأ. في كل صيف، كان السؤال الذي نعرفه جميعاً عن ظهر قلب “متى بنطلع للديرة؟” بالنسبة له، لم تكن رحلة، بل عودة. والفرق كبير بين من يسافر لمكان ومن يعود إلى جزء من نفسه.
في عالقة، لم يرى والدي كما نرى كنا نرى حدوداً، بيوتاً وأشجاراً، بينما كان يرى جذوراً، هوية وذاكرة أجيال. بالنسبة له، لم تكن الأرض ملكية أو إستثمار، بل أمانة تحمل قصة الوطن وبداية الحكاية. علّمنا أن الإنتماء يبدأ بالأهل، القرية والأرض، وأن الإنسان يفقد جزءً من ذاته عندما تنقطع صلته بجذوره. اليوم، كلما رأيت بيتاً حجرياً قديماً أو شجرة معمرة، أُدرك أنها ليست مجرد معالم من الماضي، بل شواهد تحفظ ذكرى المكان وهوية أهله. ففي عالم اليوم، قيمة الأمة لا تقاس بمواردها الطبيعية فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على مورثها المعنوي وتحويله إلى فرص إقتصادية، ثقافية وفكرية. والقرى التاريخية لا تشكل عبئاً على التنمية، بل هي مصدر قوة. البيوت الحجرية ليست من آثار الماضي، إنها فرص استثمارية، ثقافية وسياحية تساهم في بناء مستقبل أكثر تنوعاً وإستدامة. وهذا هو الدافع وراء ما أرمي اليه مبادرة “جذورنا”. كرؤية شاملة لإحياء القرى التاريخية كمراكز للهوية، للتنمية والاستدامة. هذا يعني خلق فرص للسياحة الريفية والثقافية، دعم الأسر المنتجة، الحرف التقليدية والمشروعات الصغيرة. توفير فرص العمل لأبناء المنطقة، الحفاظ على التنوع البيئي والزراعي الذي شكل جزءً مهماً من تاريخ المملكة. وتعزيز جودة الحياة بالحفاظ على الهوية البصرية والثقافية للمكان. كما أن الإستثمار في التراث الثقافي يحقق عوائد إقتصادية من خلال السياحة والصناعات الإبداعية، رفع جاذبية المناطق للإستثمار. حماية الأشجار المعمرة والمزارع لا تقل أهمية عن حماية المواقع الأثرية. وتمثل جزءً من التراث البيئي للمملكة، ولها قيمة علمية، ثقافية واقتصادية كبيرة. إنها توثق كيف تكيفت المملكة مع بيئتها وبناء علاقة متوازنة مع الطبيعة. فنجد رؤية المملكة 2030 تُقرّ بأن التنمية المستدامة لا تقوم على الإقتصاد وحده، بل على الإنسان، الهوية والثقافة. وتُدرك أن الإستثمار في التراث ليس إنفاقاً على الماضي، بل استثماراً في المستقبل. فهي قادرة على دعم الإقتصاد المحلي، السياحة، ترسيخ الهوية الوطنية، وتحقيق التوازن بين الحداثة والأصالة وهو من أهم مرتكزات رؤية 2030.
لقد دافع أجدادنا عن الأرض لأنها مصدر بقائهم. ومسؤوليتنا اليوم أن نحافظ على الذاكرة التي شكلت الوطن، والقصص التي منحت هذه الأماكن روحها، الجذور التي ستمنح الأجيال القادمة شعوراً بالإنتماء، الثقة والاستقرار.
واليوم، أفهم والدي -رحمه الله- أكثر من أي وقت مضى. لم يكن يخشى فقدان الأرض، بل كان يخشى أن نفقد صلتنا بها. كان يعلم أن الإنسان قد يجد أرضاً أخرى، وظيفة أخرى، مدينة أخرى، لكن إن فقد جذوره، فقد شيئاً لا يُعوَّض.
لهذا لم تكن عالقة بالنسبة له مجرد قرية، بل حياة والعودة إليها كل صيف كانت تعبيراً عن الولاء، وتجديداً للإنتماء والهوية. لم يكن يدعونا في رحلة للماضي، بل يقودنا، نحو مستقبل يدرك أن كل نهضة عظيمة تحتاج إلى جذور راسخة، وأن الأمم التي تعرف تاريخها جيداً هي وحدها القادرة على كتابة فصلها التالي بثقة وكفاءة. فكل نهضة تحتاج لهوية تحميها. كل مستقبل يحتاج ذاكرة تحمله. كل شجرة، مهما إرتفعت لابد أن تغرس جذورها عميقاً في الأرض فالأوطان تبدأ من قرية. ورؤى المستقبل تبدأ بصوت والدي -رحمه الله- كل صيف: “يا الله… الديرة الديرة”.
ما أحوجنا اليوم الى مبادرة تبدأ من الديرة ومن كل ديرة بالمملكة مبادرة تعيد وصل ما إنقطع بين الحاضر وتاريخه بين الطموح وذاكرته فالأشجار لا تعانق السماء الإ لأن جذورها ضاربة في أطناب الأرض.
وهكذا الأوطان لا تعلو الا بهويتها.












