▪︎ مجلس نيوز
.
يروي المقال حكاية فيلم فرنسي قصير بعنوان “البالونة الحمراء” (1956)، يستخدم قصة طفل وبالونة ترافقه في الأزقة والمدرسة والحافلة ليقدّم رمزًا للحلم الفردي الذي يطارد صاحبه ويسعده، ويثير في الوقت نفسه فضول الآخرين وعداءهم. ومع انفجار البالونة بفعل تواطؤ الصبية و”نبلة” بسيطة، يفسّر الكاتب المشهد بوصفه صو…
عندما انفجرت البالونة الحمراء…
فيلم شبه صامت… لكنه يتحدث كثيرًا
لست من متابعي الأفلام، لكنني قرأت عن فيلم فرنسي قصير صدر عام 1956م، بعنوان «البالونة الحمراء»، وقيل إنه عمل رمزي وفلسفي.
شدني العنوان، وأثارتني تلك الفلسفة التي قيل إنها تختبئ داخله، فتساءلت:
وما الذي يمكن أن تخبئه بالونة حمراء من فلسفة؟
فجلست أشاهده؛ لأعرف كيف يمكن لبالونة أن تحمل من الأفكار أكثر مما تحمل من الهواء.
فوجدت فيلمًا لغته الصورة لا الكلمات، وحواره الحركة المحسوبة. وفيه جمال الأحياء القديمة، والأزقة العتيقة، وبساطة الحياة اليومية؛ ثم مدرسة موصدة الأبواب، وحجرة صغيرة يُعاقَب فيها الحالمون.
وفي قلب هذه الصور، طفل صغير يحمل بالونة حمراء ترافقه في كل مكان. فإذا دخل المدرسة تركها خارج الباب، وإذا خرج وجدها في انتظاره. وحين يهطل المطر، كان يحميها تحت مظلات المارة؛ كأنها هي الطفل، وكأنه المسؤول عنها.
وعندما يركب صغيرنا الحافلة، يتركها خارجها، لكنها لا تتركه؛ تلاحق الحافلة حتى يصل، فيمد يده إليها، وتعود رفيقته من جديد.
وذات يوم، حُبس الطفل في غرفة العقاب؛ لأن بالونته شغلته عن المدرسة. لكنها لم تشغله وحده، فقد أثارت فضول الصبية من حوله؛ فراقبوها، ثم طاردوها، ثم أرادوا الإمساك بها. وكأن بعض الناس لا يكفيهم أن يروا ما يسعدك؛ بل لا بد أن يضعوا أيديهم عليه.
حمل الطفل بالونته وراح يهرب بها ليحميها، حتى أصابتها نبلة، فانفجرت وسقطت منكمشة على الأرض، في معركة تحالف فيها الجميع ضد طفل يحمل بالونة.
لم أرَ في الحكاية طفلًا وبالونة وأعداءً لها، بل رأيت حلمًا يحمله صاحبه، وفضوليين ينشغلون بأحلام الآخرين؛ يراقبونها بعدائية، ويلاحقونها كالظلال التي تتبع كل متميز.
وهؤلاء الفضوليون ليسوا غرباء دائمًا، بل قد يكونون من الأقران الذين يشاركونك مراحل حياتك: في المدرسة، والحي، واللعب، ثم في العمل. يملكون نفسًا طويلًا في إشغالك بالتفاهات، ووضع العراقيل في طريقك، والنظر إلى أفكارك بعيون نواياهم، حتى يتحول الفضول إلى كيد منظَّم.
وفي الحكاية، لم يقضوا على البالونة الحمراء إلا بالملاحقة والإحاطة، وبسلاح بسيط لم يكن أكثر من نبلة.
فالقضاء على أحلام الآخرين ليس مهمة صعبة؛ أحيانًا يكفي الإصرار، والتعاون بين الأشباه.
ولكن حتى لو قتلوا حلمك، فكن على يقين بأن حلمًا آخر سيأتي إليك.
فالأحلام في بداياتها هشة، ولذلك تحتاج إلى رعاية أكثر مما تحتاج إلى إعلان؛ لأن الحديث عنها قد يكشفها للعيون قبل أن تقوى على مواجهتها.
فالأفق لا يضيق، وإنما تضيق عيونٌ لا ترى إلا حلمًا واحدًا.
وقد جاء في الأثر:
«استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود».
وكل إنسان مرَّ في حياته ببالونة انفجرت: مشروع، أو وظيفة، أو علاقة، أو هدف. غير أن سقوط حلم واحد لم يكن يومًا نهاية الحياة؛ فقد لا يكون ذلك الحلم خيرًا لك، وربما خدعك لونه البرّاق، ثم جاءك التعويض في صورة أخرى: خبرة تكتسبها، أو درس يعيد رسم الخريطة، أو فهم يعلمك كيف تضبط البوصلة، أو قرار بألّا تختصر حياتك كلها في حلم واحد.
ولم يكن صغيرنا يتخيل، وهو يودّع بالونته المنفجرة، أن البالونات ستأتي إليه من البيوت والشوارع والمباني؛ بألوانها الزاهية وأحجامها المختلفة، ثم تحمله إلى السماء.
ولفتني في نهاية الفيلم أن البالونات الجديدة لم تكن كالبالونة الحمراء؛ فقد تدلّت منها حبال طويلة أستطاع أن يمسك بها الطفل، أما بالونته الأولى فكان حبلها قصيرًا، وكانت تراوغه؛ تقترب مرة، وتبتعد مرات، فلا يكاد يمسك بها. وكأن علاقتهما كانت مدًّا وجزرًا.
أما البالونات الجديدة، فقد أمسك بحبالها جميعًا، فحلّقت به في السماء ليرى المدينة كلها. حملته بعيدًا عن الشوارع الضيقة التي كان يركض فيها، وعن الأبواب المغلقة التي طالما وقف أمامها، وعن الحافلة التي كان يزاحم ركابها بحثًا عن موطئ قدم.
ومن علٍ، رأى المدينة من زاوية لم يكن ليراها وهو أسير الأرض.
في نهاية الحكاية، بقي مطاردوه على الأرض، بينما ارتفع الطفل؛ فقد فجّروا بالونة واحدة، فأمطرت الحياة بالوناتٍ لم يكن ليحلم بها، حملته إلى سماءٍ لم يستطيعوا إغلاقها.
وأخيرًا… من حُورب بشراسة، ارتفع بتعويض جميل وأحلام لم تكن تخطر له على بال، أما الذين حاربوه فبقوا أسرى أحقادهم؛ لا ينظرون إلا بعين الحسد، ولا يعرفون إلا مراقبة الآخرين، والتعاون على تعكير صفوهم، والتخطيط لهدم ما يبنيه غيرهم.
هكذا يستحوذ الشر على بعض القلوب، حتى يصبح هدم الأحلام مشروعًا، بينما يظل بناؤها رسالة.
حتى لو قتلوا حلمك… سيأتي غيره.










