▪︎ مجلس نيوز
.
ينطلق المقال من قصة مفتي الأندلس الذي أجاب ملكًا سأل عن مادّة كفّتي الميزان بقوله: «من حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه»، ليلفت إلى حكمة ترك الفضول والانشغال بما لا نفع فيه. ويقارن الكاتب بين أسئلة الماضي التي كانت طلبًا للهداية والفهم، وأسئلة اليوم التي يغذّيها الفراغ وفضول مواقع التواصل، فتستهلك…
قرأتُ في سير أعلام النبلاء قصةً لمفتي الأندلس في زمانٍ مضى، حيث جاءه كتابٌ من أحد الملوك يسأل: «كِفَّتا الميزان، أمن ذهبٍ أم من فضة؟» فكتب إليه جوابًا قصيرًا في ألفاظه، لكنه من تلك الكلمات التي تحمل من الحكمة ما لا تحمله الصفحات الطوال، فقال: «من حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه».
ومنذ أن وقعت عيني على هذه الحكاية وأنا أتأمل هذا السيل الهائل من الأسئلة التي تملأ حياة الناس اليوم، وكيف تحوّل كثيرٌ من البشر إلى ملاحقة كل معلومةٍ عابرة، وكل جدلٍ لا ينتهي، حتى غدا العقل مثقلًا بالتفاصيل التي لا تزيد صاحبه علمًا نافعًا، ولا تبني فيه حكمةً أو رشدًا.
لقد كانت الأسئلة قديمًا تنبع من طلب الهداية، والرغبة في الفهم، والبحث عن النجاة، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يولد من الفراغ، ويتغذّى على الفضول، حتى امتلأت وسائل التواصل بأسئلةٍ يستهلك الناس فيها الساعات الطويلة دون أن يكتسبوا بها خلقًا، أو يبنوا بها فكرة، أو يقتربوا بها من إصلاح أنفسهم.
وترى أحدهم يتابع أخبار المشاهير، والخلافات، والإشاعات، ويغرق في التحليلات والتوقعات، وكأن حياته متوقفة على معرفة هذه التفاصيل التي لا تزيد القلب إلا تشعبًا، ولا العقل إلا إنهاكًا، ولا العمر إلا نقصانًا. ثم يخرج من ذلك كله وهو يظن أنه ازداد معرفةً وثقافة، بينما لم يزد إلا ازدحامًا ذهنيًا وضجيجًا داخليًا.
ولهذا كان العلماء يكرهون الأغلوطات والأسئلة المتكلّفة التي لا ثمرة لها، لأنهم أدركوا أن العمر محدود، وأن العقل لا ينبغي أن يكون مستودعًا لكل ما يُقال، وأن الإنسان لا يرتفع بكثرة معلوماته، بل بحسن اختياره لما ينفعه، وتمييزه بين العلم الذي يبني النفس، والمعرفة التي تستنزفها.
ولو تأملت الوحي لرأيت أن الله تعالى وجّه عباده إلى العلم الذي يورث الخشية، ويقوّم السلوك، ويزكي النفوس، ولم يربهم على تتبع التفاصيل التي لا أثر لها في الدين أو الحياة.
وفي زمنٍ تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع، أصبحت الحكمة الحقيقية ليست في أن تعرف كل شيء، بل في أن تعرف ما الذي يستحق أن تعرفه، وما الذي ينبغي أن تُعرض عنه، لأن بعض الأسئلة تفتح أبواب الهداية، وبعضها لا يفتح إلا أبواب التشتيت وإضاعة العمر.
ولذلك يبقى من أصدق ما يُقال: بعضُ المعرفة لا يضرّك الجهلُ بها، ولا ينفعك العلمُ بها.
قرأتُ في سير أعلام النبلاء قصةً لمفتي الأندلس في زمانٍ مضى، حيث جاءه كتابٌ من أحد الملوك يسأل: «كِفَّتا الميزان، أمن ذهبٍ أم من فضة؟» فكتب إليه جوابًا قصيرًا في ألفاظه، لكنه من تلك الكلمات التي تحمل من الحكمة ما لا تحمله الصفحات الطوال، فقال: «من حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه».
ومنذ أن وقعت عيني على هذه الحكاية وأنا أتأمل هذا السيل الهائل من الأسئلة التي تملأ حياة الناس اليوم، وكيف تحوّل كثيرٌ من البشر إلى ملاحقة كل معلومةٍ عابرة، وكل جدلٍ لا ينتهي، حتى غدا العقل مثقلًا بالتفاصيل التي لا تزيد صاحبه علمًا نافعًا، ولا تبني فيه حكمةً أو رشدًا.
لقد كانت الأسئلة قديمًا تنبع من طلب الهداية، والرغبة في الفهم، والبحث عن النجاة، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يولد من الفراغ، ويتغذّى على الفضول، حتى امتلأت وسائل التواصل بأسئلةٍ يستهلك الناس فيها الساعات الطويلة دون أن يكتسبوا بها خلقًا، أو يبنوا بها فكرة، أو يقتربوا بها من إصلاح أنفسهم.
وترى أحدهم يتابع أخبار المشاهير، والخلافات، والإشاعات، ويغرق في التحليلات والتوقعات، وكأن حياته متوقفة على معرفة هذه التفاصيل التي لا تزيد القلب إلا تشعبًا، ولا العقل إلا إنهاكًا، ولا العمر إلا نقصانًا. ثم يخرج من ذلك كله وهو يظن أنه ازداد معرفةً وثقافة، بينما لم يزد إلا ازدحامًا ذهنيًا وضجيجًا داخليًا.
ولهذا كان العلماء يكرهون الأغلوطات والأسئلة المتكلّفة التي لا ثمرة لها، لأنهم أدركوا أن العمر محدود، وأن العقل لا ينبغي أن يكون مستودعًا لكل ما يُقال، وأن الإنسان لا يرتفع بكثرة معلوماته، بل بحسن اختياره لما ينفعه، وتمييزه بين العلم الذي يبني النفس، والمعرفة التي تستنزفها.
ولو تأملت الوحي لرأيت أن الله تعالى وجّه عباده إلى العلم الذي يورث الخشية، ويقوّم السلوك، ويزكي النفوس، ولم يربهم على تتبع التفاصيل التي لا أثر لها في الدين أو الحياة.
وفي زمنٍ تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع، أصبحت الحكمة الحقيقية ليست في أن تعرف كل شيء، بل في أن تعرف ما الذي يستحق أن تعرفه، وما الذي ينبغي أن تُعرض عنه، لأن بعض الأسئلة تفتح أبواب الهداية، وبعضها لا يفتح إلا أبواب التشتيت وإضاعة العمر.
ولذلك يبقى من أصدق ما يُقال: بعضُ المعرفة لا يضرّك الجهلُ بها، ولا ينفعك العلمُ بها.











