▪︎ مجلس نيوز
.
المقال يؤكد أن جوهر قوة المؤسسات الإعلامية لا يكمن في الأدوات والتقنيات، بل في القيادات القادرة على قراءة التحولات وتحويلها إلى فرص وصناعة أثر مستدام. ويرصد توجه المملكة، عبر وزارة الإعلام ورؤية السعودية 2030، إلى الاستثمار في رأس المال البشري وبرامج مثل “مسار قادة الإعلام” لبناء قيادات تمتلك فكرًا…
تتغير أدوات الإعلام بسرعة، وتتبدل المنصات، وتظهر تقنيات جديدة كل عام، بينما يبقى عنصر واحد يحتفظ بقيمته في كل مرحلة؛ القائد الذي يمتلك الرؤية، ويقرأ التحولات، ويعرف كيف يحولها إلى فرص. فالمؤسسات الإعلامية لا تصنع حضورها بما تملكه من أدوات، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على قيادة تلك الأدوات نحو أثر مستدام.
لهذا أصبح الاستثمار في القيادات الإعلامية أحد أهم مؤشرات نضج القطاع، لأن صناعة التأثير تبدأ من الإنسان قبل أن تصل إلى الشاشة، ومن الفكر قبل أن تتحول إلى رسالة. وكلما ارتفع مستوى القائد، ارتفع معه مستوى المؤسسة، واتسعت قدرتها على المنافسة، وصناعة المحتوى، وإدارة الأزمات، واستشراف المستقبل.
في المملكة، يمكن ملاحظة هذا التوجه بوضوح من خلال المبادرات النوعية التي تقودها وزارة الإعلام، حيث لم يعد تطوير القطاع مرتبطًا بالبرامج التقليدية، وإنما أصبح مشروعًا متكاملًا يركز على بناء رأس المال البشري، وتأهيل القيادات، وخلق بيئة تتعلم باستمرار، وتستفيد من التجارب الدولية، وتواكب التحولات العالمية في صناعة الإعلام.
ويأتي إطلاق النسخة الثانية من مسار قادة الإعلام امتدادًا لهذا النهج. فالبرنامج يحمل رسالة تتجاوز التدريب إلى بناء عقل قيادي قادر على إدارة التحول المؤسسي، وصناعة القرار، وقيادة فرق العمل، وفهم العلاقة بين الإعلام والتقنية والاقتصاد والاتصال، وهي منظومة أصبحت اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى.
اللافت في هذه المبادرات أنها لا تنطلق من احتياج آني، وإنما من قراءة بعيدة للمستقبل. فالإعلام خلال العقد القادم سيشهد تغيرات أكبر مما شهده خلال العقود الماضية، مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وتحولات الاقتصاد الرقمي، وتغير أنماط استهلاك المحتوى، واتساع المنافسة على تشكيل الرأي العام. وهذا الواقع يفرض إعداد قيادات تمتلك المرونة، وسرعة التعلم، والقدرة على اتخاذ القرار في بيئات متغيرة.
كما أن الشراكات مع المؤسسات التعليمية العالمية، والتجارب التدريبية الدولية، تعكس قناعة بأن الخبرات تتراكم عبر الانفتاح على أفضل الممارسات، ثم إعادة توظيفها بما يتوافق مع الهوية الوطنية وأولويات المملكة. وهذه المعادلة هي التي تصنع الفارق بين نقل التجربة، وصناعة تجربة سعودية تستفيد من العالم، وتضيف إليه.
ورؤية السعودية 2030 وضعت الإنسان في قلب عملية التنمية، لأن كل إنجاز مؤسسي يبدأ بكفاءة بشرية مؤهلة. والإعلام أحد القطاعات التي تجسد هذا المفهوم بصورة واضحة، عبر برامج تستثمر في القيادات، وتمنحها الأدوات التي تساعدها على قيادة مرحلة تتطلب فكرًا استراتيجيًا، وقدرة على الابتكار، وحضورًا عالميًا.
وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بعدد الخريجين أو ساعات التدريب، وإنما بما ستصنعه من أثر داخل المؤسسات الإعلامية بعد سنوات. فعندما يعود القائد بفكر جديد، وأدوات حديثة، ورؤية أكثر اتساعًا، فإنه يغيّر ثقافة العمل، ويطوّر الأداء، ويصنع أثرًا يمتد إلى المؤسسة بأكملها.
ولهذا، فإن الاستثمار في القائد الإعلامي يمثل استثمارًا في مستقبل الرسالة الوطنية، وفي القوة الناعمة للمملكة، وفي قدرتها على مخاطبة العالم بلغة احترافية تعكس حجم التحولات التي تعيشها، والطموحات التي تمضي نحوها بثقة. فكل قائد يُبنى على أسس راسخة، يضيف لبنة جديدة في بناء إعلام سعودي مؤثر، يواكب المستقبل، ويشارك في صناعته.












