▪︎ مجلس نيوز
.
تحوّلت تجربة أستراليا مع قصب السكر وضفدع القصب إلى مثال صارخ على كيف تقود القرارات غير المبنية على رأي المتخصصين إلى أزمات بيئية متراكمة تفوق حجم المشكلة الأصلية، بعدما استُنسخت حلول من بيئة مختلفة دون فهمٍ عميق للسياق المحلي. يربط المقال بين هذه القصة وما يحدث داخل المؤسسات اليوم، حيث تتعثّر مشروعا…
في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت أستراليا تنظر إلى قصب السكر بوصفه فرصة اقتصادية واعدة، فقررت التوسع في إنتاجه، واستوردت أصنافًا لم تكن البيئة الأسترالية قد اعتادت عليها، بدا القرار منطقيًا؛ زيادة في الإنتاج تعني زيادة في العائد، لكن ما لم يكن حاضرًا في الحسابات أن هذه الأصناف جذبت خنافس تتغذى على المحصول، حتى تحولت المشكلة إلى تهديد حقيقي للمزارع، ومع تصاعد الخسائر، بحثت الحكومة عن حل سريع، فاستوردت ضفدع القصب (Cane Toad) من أمريكا الجنوبية على أمل أن يقضي على الخنافس، غير أن الضفدع لم يكن يتغذى على الخنافس التي تستقر أعلى سيقان القصب، بل بقي في الأرض يبحث عن فرائس أخرى، ثم تكاثر بصورة هائلة، وانتشر في أنحاء البلاد، وأصبح أحد أخطر الكائنات الغازية في تاريخ أستراليا، مسببًا اختلالًا بيئيًا ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم.
القصة تبدو للوهلة الأولى حكاية عن الزراعة أو البيئة، لكنها في حقيقتها قصة عن طريقة اتخاذ القرار، فكل خطوة جاءت لمعالجة أثر القرار السابق، وكل علاج وُلد قبل أن يُفهم المرض، حتى انتهى الأمر بأزمة أكبر من المشكلة الأولى، وعندما تُقرأ هذه الحكاية بعيدًا عن تفاصيلها البيئية، فإنها تختصر سببين يتكرران في كثير من الأزمات؛ غياب المتخصص، واستنساخ حلول نجحت في بيئة مختلفة ثم افتراض أنها ستنجح بالقدر ذاته في بيئة أخرى.
المتخصص لا يقدّم إجابة أسرع، بل يطرح السؤال الصحيح أولًا، وهو الذي يدرك أن المشكلة ليست دائمًا فيما يظهر على السطح، وأن الحل لا يبدأ باستيراد تجربة جاهزة، بل بفهم السياق الذي نشأت فيه الأزمة، أما حين يغيب هذا الصوت، تصبح القرارات أشبه بحلقات متتابعة، يعالج كل منها نتائج القرار السابق، بينما يظل السبب الحقيقي قائمًا، فتتراكم الأخطاء حتى تبدو وكأنها قدر لا يمكن تجنبه، مع أنها بدأت من لحظة واحدة أُقصي فيها صاحب المعرفة.
وهذا المشهد لا يختلف كثيرًا عما يحدث داخل المؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص، كم من مشروع تعثر لأن قرارًا استراتيجيًا صيغ بعيدًا عن المختصين؟ وكم من حملة أُطلقت لأنها نجحت في دولة أو شركة أخرى، من دون أن يُسأل السؤال الأهم: هل تشبه بيئتنا؟ فالمؤسسات لا تعمل داخل فراغ، بل داخل مجتمعات لها ثقافتها، وجماهيرها، وأولوياتها، وما يحقق النجاح في مكان قد يتحول إلى عبء في مكان آخر إذا نُقل كما هو.
ولعل العلاقات العامة من أكثر التخصصات التي دفعت ثمن هذا الفهم القاصر فما زالت بعض الجهات تختزلها في تنظيم المناسبات أو نشر الأخبار أو إدارة حسابات التواصل، بينما هي في جوهرها وظيفة إدارية واستراتيجية تشارك في صناعة القرار، وتقرأ أصحاب المصلحة، وتقيس الصورة الذهنية، وتحمي السمعة المؤسسية، وتستشرف المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات، ولذلك فإن غياب متخصص العلاقات العامة لا ينعكس فقط على جودة المحتوى أو شكل الرسالة، بل يمتد إلى القرار نفسه، وإلى توقيته، وطريقة تقديمه، واستقبال الجمهور له.
عندما يغيب هذا التخصص، تضعف الثقة بين المؤسسة وأصحاب المصلحة، ويتراجع الاتصال الداخلي، وتصبح إدارة الأزمات فعلًا متأخرًا بدل أن تكون ممارسة استباقية، وتُستنسخ الحملات الإعلامية من تجارب لا تشبه المجتمع الذي تُخاطبه، فتبدو الرسائل متقنة في شكلها، لكنها عاجزة عن تحقيق أثرها، وحينها لا تكون المشكلة في نقص الإبداع، بل في غياب من يفهم البيئة التي يتحرك فيها هذا الإبداع.
لهذا فإن الدفاع عن التخصص ليس دفاعًا عن مهنة بعينها، بل عن جودة القرار نفسه، فالمؤسسات الناجحة تنجح لأنها تعرف من يجب أن يكون حاضرًا حول طاولة القرار، ومتى يتحدث، وفي أي مساحة وكلما اتسعت الفجوة بين القرار والتخصص، اتسعت معها احتمالات الخطأ، مهما حسنت النيات.
لقد بدأت أزمة أستراليا بخنفساء، لكنها استمرت لعقود بسبب سلسلة من القرارات التي لم تُبنَ على فهم عميق للمشكلة، وربما تكون هذه هي الحقيقة التي تستحق أن تبقى في أذهاننا: أكبر الأخطاء لا تبدأ بقرار خاطئ، بل تبدأ عندما يتحدث غير المختص في ما ليس من تخصصه، فكم من أزمة نعيشها اليوم لم تكن إلا ضفدعًا آخر أطلقناه ظنًا منا أنه الحل؟












