في رد فعل مباشر على قرار السعودية بإجراء تخفيضات إنتاجية طوعية بنحو مليون برميل يوميا، واصلت أسعار النفط الخام مكاسبها القياسية، حيث سجلت أعلى مستوى في 11 شهرا، إضافة إلى قرار بقية دول “أوبك +” عدم إجراء الزيادة الشهرية للشهرين المقبلين انتظارا لحدوث تعافي الطلب واستقرار الأسواق.
وجاء قرار السعودية و”أوبك +” استجابة للصعوبات التي تواجه الطلب في المرحلة الراهنة بسبب استمرار تسارع الإصابات الجديدة بفيروس كورونا، علاوة على ضعف الطلب نتيجة حالة الإغلاق العام الواسعة، خاصة في أوروبا.
ويقول لـ”الاقتصادية”، مختصون ومحللون نفطيون، إن الإجراء السعودي يعزز المكاسب السعرية ويمثل تفاعلا جيدا مع تقديرات ضعف الطلب جراء اشتداد وتيرة الجائحة والإغلاق الموسع في عديد من الدول، مؤكدين تقديرات بنك جولدمان ساكس، التي تشير إلى أن خام برنت سيسجل 65 دولارا للبرميل بنهاية العام الجاري بعدما مهدت السعودية لإمدادات نفطية أقل في الربع الثاني من عام 2021.
وأوضح المختصون أن السعودية تلعب دورا قياديا مبهرا لكل المنتجين ويؤثر في السوق وكل أطرافها على نحو واسع، مشيرين إلى أن قرار السعودية وفر الحماية لتحالف “أوبك +”، الذي كان واقعا تحت تأثير تباين في وجهات النظر، ما قد ينذر ببعض التصدعات، لكن الدور السعودي أزاح هذه المخاطر وأحدث تأثيرا دوليا واسعا وقفز بأسعار النفط الخام إلى أعلى مستوى لها في 11 شهرا، وارتفعت أسهم شركات الطاقة العملاقة في لندن وحفارات النفط الصخري في تكساس.
وأشارت أحدث البيانات إلى أن التزام دول “أوبك” بخفض إنتاج “أوبك +” بلغ 99 في المائة في ديسمبر، انخفاضا من 102 في المائة في نوفمبر، وستبقي السعودية المعروض النفطي مستقرا في ديسمبر عند أقل قليلا من تسعة ملايين برميل يوميا، وسيصل إلى 8.128 مليون برميل يوميا في فبراير المقبل.
وفي هذا الإطار، يقول جوران جيراس مساعد مدير بنك “زد أيه إف” في كرواتيا، إن السعودية اتخذت القرار الصائب الذي يناسب احتياجات السوق ويعزز جهود المنتجين في استعادة توازن السوق ويغلب المصلحة الجماعية على أي مصلحة فردية، مشيرا إلى أن أسعار النفط استجابت على الفور وسجلت أعلى مستوى في 11 أشهرا فوق 50 دولارا للبرميل عقب قرار السعودية خفض مليون برميل إضافية يوميا من إنتاج الخام في فبراير ومارس.
وأضاف أن التأثيرات الايجابية في السوق امتدت أيضا إلى ارتفاع أسعار العقود الآجلة في نيويورك 0.9 في المائة، كما لا يمكن إنكار أهمية توافق المنتجين في “أوبك +” على قرار إبقاء معظم المنتجين مستوى إنتاجهم ثابتا في الشهرين المقبلين، مشيرا إلى حدوث ارتفاع حاد في هيكل منحنى العقود الآجلة للنفط في ضوء توقع التجار انخفاض المعروض في الأشهر المقبلة.
وترى الدكتورة ناجندا كومندامنتوفا كبير محللي المعهد الدولي لتطبيقات الطاقة، أن الخطوة السعودية جاءت استشعارا بتحديات وصعوبات السوق في المرحلة الراهنة، وفي ظل قراءة متأنية لوضع الطلب على المدى القصير، خاصة مع خفض توقعات الاستهلاك لكانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير).
وأضافت أن وضع السوق معقد للغاية، وهو ما جعل محادثات منتجي “أوبك +” تستمر وقتا طويلا وعلى مدار يومين حتى تم بلورة الاتفاق الجديد، الذي يقضي بإلغاء الإضافة الشهرية وقدرها 500 ألف برميل يوميا على مدار الشهرين المقبلين، وتأجيل الزيادات حتى أبريل المقبل، حتى يحدث تعاف جيد في الطلب جراء انتشار لقاحات كورونا.
من ناحيته، يقول بيل فارين برايس المحلل الاقتصادي المختص بشؤون النفط والغاز، إن وضع السوق ليس سلبيا بالكامل، فهناك خطط التحفيز المالي الأمريكية، إضافة إلى تسجيل تعاف نسبي في الطلب الآسيوي، كما أن هناك مؤشرات على أن أجزاء من الاقتصاد العالمي بدأت بالعودة مع توسع مقياس التصنيع في الولايات المتحدة الشهر الماضي بأسرع وتيرة منذ 2018.
وأشار إلى أن روسيا أبدت دعما جيدا لاستمرارية التعاون مع “أوبك”، كما قدرت روسيا خطوة السعودية بالتخفيض الطوعي وعدتها هدية العام الجديد، عادا أن القرار السعودي بث حالة من التفاؤل في السوق وخفف نسبيا من آثار الوباء في سلالته الجديدة سريعة الانتشار، التي يراهن كثيرون على السيطرة عليها في أبريل المقبل.
بدوره، يقول أندريه يانييف المحلل البلغاري والباحث في شؤون الطاقة، إن انتعاش الأسعار ضرورة لكل الدول المنتجة، لكنه في المقابل يحمل مخاطر نسبية لأنه يخدم مصالح أنشطة الحفر الأمريكية، ما يغريها على تسريع مستوى الإمدادات سعيا إلى الفوز بحصة أكبر في سوق النفط العالمية.
وأضاف أن احتمال تنامي المخزونات النفطية جراء ضعف الاستهلاك ربما يكون أحد أبرز تحديات الفترة المقبلة، عادا أن السعودية أعطت رسائل مشجعة على التفاؤل والاطمئنان لسوق النفط، خاصة في ضوء مقولة الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي، ” نحن حراس هذه الصناعة”، كما حرص الوزير على تأكيد أن القرار اتخذ من جانب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نفسه.
من ناحية أخرى وفيما يخص الأسعار، ارتفعت أسعار النفط في السوق الأوروبية أمس، لتوسع مكاسبها لليوم الثاني على التوالي، مسجلة أعلى مستوى في 11 شهرا، بفضل قرار السعودية إجراء تخفيضات طوعية في الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميا خلال شباط (فبراير) وآذار (مارس) لدعم السوق، إضافة إلى اتفاق تحالف “أوبك +” على الإبقاء على مستويات الإنتاج دون تغيير خلال الشهرين المقبلين، ويدعم الأسعار أيضا بيانات أولية أظهرت انخفاض مخزونات الخام في الولايات المتحدة للأسبوع الثاني على التوالي.
وارتفع الخام الأمريكي 1.6 في المائة إلى مستوى 50.57 دولار الأعلى منذ شباط (فبراير) 2020، من مستوى الافتتاح عند 49.79 دولار، وسجل أدنى مستوى عند 49.71 دولار، و صعد خام برنت نحو 2.1 في المائة إلى مستوى 54.60 في المائة، للبرميل الأعلى منذ شباط (فبراير) الماضي، من مستوى الافتتاح عند 53.51 في المائة، وسجل أدنى مستوى عند 53.51.دولار.
وعند تسوية الثلاثاء حقق الخام الأمريكي ارتفاعا 5.2 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 5.5 في المائة، بأكبر مكسب يومي منذ التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، عقب انتهاء الاجتماع الشهري لتحالف “أوبك +”.
وفي بيانات أولية، أعلن معهد البترول الأمريكي، انخفاض المخزونات التجارية في البلاد بنحو 1.7 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في الأول من كانون الثاني (يناير)، في ثاني انخفاض أسبوعي على التوالي، لتتجاوز توقعات الخبراء انخفاضا بنحو 1.2 مليون برميل.
وعلى حسب تلك البيانات، انخفض إجمالي المخزونات التجارية في الولايات المتحدة إلى نحو 495.5 مليون برميل، الذي يعد أدنى مستوى منذ الأسبوع المنتهي في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في علامة إيجابية لمستويات الطلب المحلي في أكبر مستهلك للنفط في العالم.
وتشير توقعات التقرير الأسبوعي لوكالة الطاقة الأمريكية إلى انخفاض المخزونات بنحو 2.8 مليون برميل، في رابع انخفاض أسبوعي على التوالي.











