تعتمد الصين في دعم اقتصادها المتعاظم على استثماراتها الخارجية الضخمة، إلى جانب طبعا بقية القطاعات المحورية، والاستراتيجية الأخرى محليا. وفي الأعوام الماضية ضخت الحكومة الصينية أموالا هائلة في المسارات الاستثمارية الخارجية المختلفة، بما في ذلك شراء السندات، ولا سيما في الولايات المتحدة. وهذه الاستثمارات تنتج عوائد مالية هائلة أيضا، تعزز طبعا وضعية الاقتصاد الوطني، الذي تتوقع بعض الجهات الدولية أن يتجاوز من حيث الحجم الاقتصاد الأمريكي في عام 2028 ليتصدر قائمة أكبر الاقتصادات في العالم.
علما بأن التوقعات السابقة كانت تتحدث عن تبوؤ الاقتصاد الصيني المركز الأول بعد أعوام من ذلك التاريخ المتوقع، وهذه التقديرات مبنية على حجم النمو في البلاد، الذي وضع الصين في قائمة الدول الأعلى نموا، حتى في وقت أزمة تفشي وباء كورونا المستجد، على اعتبار أن بكين تمكنت من احتوائه بصورة قوية منذ بدايته. إن النمو المتوقع في الصين سيصل في متوسطه إلى 5.7 في المائة سنويا بين عامي 2021 و2025، قبل أن يتباطأ إلى 4.5 في المائة سنويا من 2026 و2030. والأمر ليس كذلك بالنسبة للولايات المتحدة التي من المتوقع أن تسجل نموا في أعقاب الجائحة، ولكن بحدود 1.9 في المائة سنويا بين عامي 2022 و2024، وبعد ذلك إلى 1.6 في المائة. ولذلك، فإن الاستثمارات الخارجية الصينية تقوم بأدوار متعددة لخدمة الاقتصاد في البلاد، ما يعزز التوقعات بتوسيع حجمه في أعوام العقد الحالي.
وهذه الاستثمارات كغيرها من الاستثمارات المشابهة تمنح ضمانات حقيقية لاقتصاد الصين، عبر تأمين احتياجاته الضرورية لمواصلة تطوره ونموه، سواء من مواد خام أو قدرات تكنولوجية، وهذه نقطة مهمة على صعيد تطور هذا الاقتصاد الذي يحتل المركز الثاني من حيث الحجم عالميا. لكن للاستثمارات الخارجية الصينية أبعادا أخرى، في مقدمتها رفع مستوى نفوذ البلاد على الساحة الدولية، عبر ما اصطلح على تسميته “القوة الناعمة”.
فالصين وضعت في الواقع استراتيجية واضحة أطلقت عليها “استراتيجية الحزام والطريق”، حيث تشكل البوابة التي تدعم القيادة الصينية في الميدان العالمي. كما أنها توفر أدوات متعددة على صعيد التجارة الخارجية، ما يعزز مرة أخرى قوة بكين في هذا المجال الدولي الحيوي. لا شك أن الحكومة الصينية تطمح لقيادة الاقتصاد العالمي، وقد اتخذت سلسلة من القوانين والإجراءات والمخططات في العقود القليلة الماضية، لتمكين نفسها في هذا المجال، بما في ذلك اعتماد اقتصاد السوق في ظل نظام سياسي اشتراكي. كانت هذه المرونة الآلية الأهم في التطور الذي يحدث حاليا على الساحة في هذا البلد الكبير.
بالطبع تنقسم الاستثمارات الصينية إلى قسمين، الأول في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا، وعدد من دول شرق آسيا (كوريا الجنوبية واليابان)، أما الآخر فينحصر في مشاريع البناء الضخمة التي تتمركز في الدول النامية وعدد من الاقتصادات الناشئة ومنها القارة الإفريقية حيث لدى بكين استثمارات في القارة السمراء بشكل كبير خاصة الدول ذات الموارد الطبيعية خاصة ما يستخرج من باطن الأرض. ففي غضون 15 عاما ضخت الصين نحو 815 مليار دولار في مشاريع البناء المشار إليها على الساحة الدولية ككل، واجتذبت الدول المتقدمة أكثر من 62 في المائة من هذه الاستثمارات.
وهذا مفهوم على اعتبار أن أوروبا وأمريكا الشمالية تتمركز بهما في الواقع معظم الاستثمارات الأجنبية. فالولايات المتحدة وحدها اجتذبت 15 في المائة من الاستثمارات الصينية في الأعوام القليلة الماضية. وعلى هذا الأساس، تتحرك الصين لدعم مسارها المتصاعد نحو تحويل اقتصادها إلى الرقم الأول قبل نهاية العقد الجاري، في حين أنها تعلق أهمية كبيرة على هذه الاستثمارات لتحقيق أهدافها في تمكين نفسها في موقع القيادة الاقتصادية عالميا.








