يعاني الاقتصاد العالمي تقلبات حادة على المستويات والقطاعات كافة، وذلك نتيجة تداعيات كوفيد – 19، وشهدت أسعار النفط تقلبات متذبذبة وشديدة منذ بداية العام، ومع اقتراب الربع الأخير من نهايته تبدو الأسعار أكثر تحسنا. وفي التجارة العالمية تبدو الصورة أكثر تذبذبا، فوفقا لتقارير “أونكتاد”، شهدت التجارة العالمية انخفاضا حادا في الربع الثاني من عام 2020 مع انخفاض بنحو 19 في المائة مقارنة بالربع الثاني من عام 2019.
ثم شهدت انتعاشا مع الربع الثاني، لكن نمو التجارة العالمية عاد سلبيا في الربع الثالث مع انخفاض بنحو 4.5 في المائة على أساس سنوي. ومن المتوقع أن تنخفض قيمة التجارة العالمية في البضائع بنحو 5.6 في المائة في 2020، كأكبر انخفاض في تجارة البضائع منذ 2009، عندما انخفضت 22 في المائة، لكن تقارير “أونكتاد” تعود إلى التفاؤل وفق هذه الأرقام، لتشير إلى أن هذا يعد أكثر تفاؤلا بكثير مما كان الحال عليه قبل بضعة أسابيع فقط عندما قدرت “أونكتاد” الانخفاض 9 في المائة.
إن هذ التقلبات في التجارة العالمية تشير بكل وضوح إلى عمق الأزمة التي خلفها فيروس كورونا، وتوضح العبارات الغامضة التي كان يطلقها رؤساء وقادة الدول في قمة العشرين، من حيث التفاوت في النمو والخروج من الأزمة. فهذه التقلبات في مؤشرات حركة التجارة العالمية، تعود أساسا إلى التقلبات والتطورات والتغييرات التي شهدها انتشار الفيروس وشدة الموجات التي تواجهها بعض الدول، فهذا في مجمله كان له أثر في الطلب العالمي من جهة، وفي سلامة سلاسل الإمداد.
وهذا ينعكس على حجم التجارة العالمية، وهو بالتالي ذو أثر واسع النطاق في النمو الاقتصادي والوظائف، وإذا كانت تجارة السلع قد تأثرت رغم أن كثيرا من الاحترازات قد لا تمسها مباشرة، نظرا إلى شكل سلاسل الإمداد والحاجة إلى التواصل، خاصة مع نمو التجارة الإلكترونية بجميع أشكالها وأنواعها، فإن التوقعات من دليل “أونكتاد” السنوي الشامل للإحصاء لعام 2020، تشير إلى أن الانخفاض المتوقع في تجارة الخدمات أكبر بكثير، حيث من المرجح أن تنخفض الخدمات 15.4 في المائة في 2020 مقارنة بـ2019، وهذا الهبوط كان مدفوعا بانخفاض كبير في أنشطة السفر والنقل والسياحة.
وهكذا، فإن التأثير المتفاوت للفيروس في التواصل الإنساني، تسبب في تفاوت واسع بين الدول في النمو الاقتصادي والتحسن في التجارة الدولية. ومن المؤكد أن بعض هذه الآثار قد ينتهي قريبا مع انتشار اللقاحات، لكن البعض الآخر قد يستمر فترة أطول مما هو متوقع، وذلك بسبب نوعية هذه القطاعات التي تتطلب تواصلا مباشرا بين بني البشر. والدول الأكثر تضررا هي الدول ذات الاقتصاد الأكثر اعتمادية على هذا النوع من الصناعة.
لقد أشارت تقارير “أونكتاد” للأعوام التي سبقت الجائحة، خاصة عام 2019، إلى أن السعودية شغلت المركز الـ11 بين أكبر الدول الموردة للاقتصادات النامية في 2019، واستوردت الاقتصادات النامية من السعودية ما قيمته 189 مليار دولار، أو ما يعادل 2.4 في المائة من مجموع واردات الاقتصادات النامية.
ورغم الآثار الواسعة للجائحة في نماذج وأشكال التجارة العالمية وتفاوت النمو بسببها، ومع زيادة حجم الإيرادات غير النفطية العالمية، والنجاح المتوقع في السباق نحو الذكاء الاصطناعي، فإن النجاح الواسع لرؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد السعودي وعدم الاعتماد على النفط فقط، سيجعله ضمن أسرع الاقتصادات تجاوزا للأزمة والعودة إلى النمو الطبيعي. وجاءت توقعات المالية العامة متفائلة بشأن النمو في عام 2021، كما أن حجم الانكماش كان أقل بكثير من معظم دول مجموعة العشرين وأفضل بكثير من دول اقتصادية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
ففي الوقت الذي وصل الانكماش في هذه الدول نحو 8 في المائة، فإنه لن يتجاوز 3.2 في المائة، وما ذلك إلا لنجاح خطط التنوع الاقتصادي التي قادها مهندس الرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.













