دييجو مارادونا، بطوله الذي يبلغ 1.65 متر، كان الأكثر موهبة والأقل احترافية بين لاعبي كرة القدم العظام. وكان أيضا الوحيد الذي فاز بكأس العالم بمفرده تقريبا، مع فريق أرجنتيني من الدرجة الثانية في المكسيك في 1986.
ولد في 1960، ونشأ خارج بوينس آيرس في كوخ من دون مياه جارية حيث كانت صور خوان وإيفا بيرون تزين الجدران. عاش هو وسبعة أشقاء في غرفة واحدة، ونجا ذات مرة من السقوط في حفرة مفتوحة. كان سروال قصير باللون الفيروزي هو سرواله الوحيد.
عندما برزت موهبته في سن المراهقة، تعرف عليه مشجعو كرة القدم الأرجنتينية على الفور باعتباره اللاعب المثالي الذي يراود أذهانهم منذ عشرينيات القرن الماضي: الفتى الذي نشأ على قطعة أرض حضرية وعرة وكان يدحرج الكرة بقدميه بالإبداع الذي من المفترض أنه ينشأ من خيال أحد الأطفال.
ظهر لأول مرة مع منتخب الأرجنتين وهو يبلغ من العمر 16 عاما، وأنقذ عائلته من الفقر وأصبح الملكية العامة لمواطنيه، الذين بدا أنهم يتوقعون منه تعويض فشل البلاد في مجالات أخرى. أول بطولة في كأس العالم شارك فيها، في 1982، انتهت بطرده من الملعب لأنه ركل على طريقة الكاراتيه اللاعب البرازيلي باتيستا. لم يكن هو المقصود، كان يريد ركل فالكاو.
فشل في برشلونة وكسر كاحله من قبل مدافع من الباسك. تعرض مارادونا لمخالفات من شأنها أن تجلب لأصحابها بطاقات حمراء فورية اليوم. نجح في نهائيات كأس العالم 1986 في المكسيك بعد أن أخذ حقنا لتسكين الألم. حينها كان يرتدي أثناء المباريات فردة حذاء أكبر من الأخرى بسبب تورم كاحله المصاب. لم يكن يوقفه شيء. كانت تلك البطولة هي الأبرز في مسيرته المهنية، وكان ربع النهائي ضد إنجلترا هو المباراة البارزة. في وقت مبكر سجل هدفا بيده، ثم لوح للجمهور احتفالا بذلك. إنصافا له نقول إن الإنجليز مارسوا الغش أيضا، حيث كانوا يوجهون له الركلات وضربات الكوع طوال المباراة.
بعد أربع دقائق من ذلك الهدف، سجل ما يعد على نطاق واسع الهدف الأجمل على الإطلاق في أي مباراة لكأس العالم، حيث أخذ يدحرج الكرة بقدمه متجاوزا ستة لاعبين إنجليز. أثناء الاستحمام بعد المباراة، عابثه زميله خورخي فالدانو: طوال الفترة التي كان فيها يدحرج الكرة، كان فالدانو يناديه لكي يمرر إليه الكرة، فلماذا لم يفعل مارادونا؟ أجاب مارادونا: كنت أراقبك، وواصلت محاولة التمريرة، لكن الإنجليز كانوا يعترضون الطريق، وفجأة تجاوزتهم جميعا وسجلت الهدف. شعر فالدانو بالرهبة: “أثناء تسجيل هذا الهدف كنت تراقبني أيضا؟ أيها الرجل العجوز، أنت تهينني. هذا غير ممكن”. اعترف مارادونا لاحقا أنه يفضل أحيانا الهدف الذي يتم عن طريق اليد: “كان الأمر أشبه بسرقة محفظة الإنجليز”.
إنه شخص يعتز بوطنه، ولاعب يحركه الغضب. قال في سيرته الذاتية إن النصر الذي حققه في تلك المباراة هو ثأر لهزيمة الأرجنتين في حرب فوكلاند قبل أربعة أعوام من ذلك، عندما قتل الجنود البريطانيون مواطنيه “مثل الطيور الصغيرة”. أضاف: “كأننا هزمنا دولة وليس مجرد فريق كرة قدم”.
كان مارادونا محبوبا جزئيا لأنه لم يكن يبدو عليه أنه لاعب كرة قدم رائع. كان هذا الولد الشقي الماكر هو داود الذي يهزم جالوت. الفوز بكأس العالم جعله أيقونة أرجنتينية. على الرغم من كونه منفتحا، إلا أنه كان يشعر بأنه محاصر من قبل الحشود التي كانت تحيط به في كل مكان. كان يكره أن يتم لمسه. حلمه “بالعودة إلى بلدي وأترك بسلام” لم يتحقق قط.
مسيرته الكروية في النوادي بلغت ذروتها في نابولي، وهي مدينة فقيرة فوضوية احتضنته مثل ابن ضائع. فوز نابولي بالدوري الإيطالي في 1987 و1990 هما البطولتان الوحيدتان اللتان فاز بهما أي فريق من المدن الواقعة جنوب روما في نصف القرن الماضي. كان معظم زملائه يحبونه. كما هي الحال مع منتخب الأرجنتين، كان يلعب مع لاعبين أقل من المتوسط، دون أن تصدر عنه شكوى أو اعتراض. كان لا يتذمر حتى عندما يتم تمرير الكرة خلفه بأمتار. بمجرد حصوله عليها، كان يتكفل بإنجاز الباقي بمفرده.
في تلك الفترة، أصبح مدمنا على الكوكايين. بعد خسارة نهائي كأس العالم 1990، أطلق نظريات مؤامرة حول الاتحاد الدولي لكرة القدم، “فيفا”. كان على الدوام الشخصية الرئيسة في كل نهائيات كأس العالم. في 1994 طرد خلال منتصف البطولة بسبب تناوله عقار الايفيدرين لتحسين الأداء. حياته ووزنه خرجا عن السيطرة. قال لي زميل له إنه كان يتطلع إلى الاستيقاظ في الصباح وأخذ بناته إلى المدرسة، لكن بالكاد كان يستطيع ذلك. كان موته متوقعا منذ الثلاثينات من عمره.
كان شعبويا يساريا بالفطرة، وكان يشعر بالذنب لكونه ثريا، ولذلك رسم وشم وجه تشي جيفارا على ذراعه، قائلا: “حان الوقت لتوحيد أعظم شخصيتين أرجنتينيتين في الجسد نفسه”. وصادق فيدل كاسترو، ولفترة وجيزة وجد في كوبا المهووسة بالبيسبول السلام الذي كان يسعى إليه.
شاهد كأس العالم 2006 مشجعا يرتدي قميصا تقليدا من قمصان منتخب الأرجنتين، ويقفز بشكل متناغم في المدرجات مع أبناء وطنه. لم يكن بإمكان أي لاعب عظيم آخر أن يفعل ذلك، لكن مارادونا كان يجسد الأرجنتين. في 2010، كان مدرب منتخب الأرجنتين في كأس العالم. شارك في لعبة تدريبية أثناء تدخين سيجار، وعين صديقا له مساعدا، وكان يلقي خطبا حماسية أمام الصحافيين، ويهاجم الشاذين جنسيا في المؤتمرات الصحافية. عندما خسرت الأرجنتين 0-4 أمام ألمانيا في 2010، بكى مارادونا المذهول على خط التماس. بعد ذلك، لم يقبل أي ناد كبير أن يوظفه. في النهاية، كان يدرب فريق خيمناسيا المتواضع في الأرجنتين.
كان يتلقى العلاج من إدمان الكحول وخضع لعملية جراحية في الدماغ في وقت مبكر من هذا الشهر، ثم أصيب بنوبة قلبية أودت بحياته. من المتوقع أن يموت الأبطال الأرجنتينيون قبل الأوان، ويعطون أجسادهم للأمة: كارلوس جارديل وإيفا بيرون وتشي جيفارا والمغني رودريجو بوينو. الوباء يحرم مارادونا من إقامة جنازة تضاهي جنازة إيفيتا بيرون. أعلنت الأرجنتين الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام.










