أربعة عقود من النمو الاقتصادي المتواصل، مكنت الصين من انتشال ملايين من مواطنيها من براثن الفقر، وتشير الأدبيات الاقتصادية الدولية بما فيها تقارير المؤسسات المالية العالمية الكبرى مثل البنك الدولي، إلى أن النمو الاقتصادي الصيني الذي بلغ في المتوسط 10 في المائة منذ عام 1978، أدى إلى انتشال 850 مليون شخص، خلال أقل من نصف قرن، من أسفل خط الفقر إلى مصاف الأشخاص القادرين على القول إنهم تركوا الفقر خلف ظهورهم، وباتوا قادرين على دفع ثمن الضروريات الأساسية مثل الغذاء والدواء، بل وتطوير حياتهم إذا تبقى لديهم بعض المال.
لكن تفشى وباء كورونا في الصين، والأضرار التي ألحقها بالاقتصاد الوطني والعالمي، أعاد فتح ملف الفقر في البلاد مجددا، حيث يتوقع أن تعلن القيادة الصينية خلال الشهرين المقبلين نتائج حملتها في القضاء على الفقر المدقع في البلاد.
وكانت السلطات الصينية قد شنت حملة لمكافحة الفقر المدقع، بعد أن قدر عدد الأشخاص الذين ينتمون إلى تلك المجموعة قبل خمسة أعوام بنحو 56 مليون صيني يكسب الواحد منهم أقل من دولار يوميا.
وفي الواقع فإن اهتمام السلطات الصينية بقضية الفقر خاصة في الآونة الأخيرة، يأتي بعد تعرضها لانتقادات حادة من قبل الخبراء بأن استجابتها لأزمة كورونا، قامت على منطق اقتصادي يدعم الإنفاق على البنية التحتية، ومنح مزيد من الإعفاءات الضريبية للشركات بدلا من المساعدة المباشرة للعائلات، ما دفع الخبراء إلى القول إن ذلك قد يوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء في الصين.
بالطبع الفقر قضية متعددة الأبعاد، ويقاس بشكل عام بمستوى الدخل، وعالميا تم تحديد خط الفقر المدقع من قبل البنك الدولي عند 1.90 دولار في اليوم، وتحتل قضية الفقر في الصين هذا العام أهمية خاصة، حيث إن الدولة الصينية وكجزء من خطط أوسع لتحويل البلاد إلى مجتمع مزدهر، وضعت هدفا غير مسبوق للقضاء على الفقر بحلول نهاية عام 2020.
يقول لـ”الاقتصادية”، والتر كريس الباحث الاقتصادي في الشأن الصيني، “باستخدام خط الفقر المدقع 1.90 دولار في اليوم، انخفض معدل الفقر العالمي بشكل كبير منذ عام 1990، عندما بلغ 36.2 في المائة من سكان العالم أي ما يعادل 1.9 مليار شخص حينها، لنحو 8.7 في المائة من السكان أي 668.7 مليون شخص قبل عامين، وكانت الصين مسؤولة عما يزيد قليلا عن 60 في المائة من هذا الانخفاض، ومن بين 15 دولة نامية الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم، شهدت الصين أكبر انخفاض في معدلات الفقر”.
تبدو الصورة وبالأرقام إيجابية عند تقييم نتائج حرب الصين مع الفقر، لكن الفقر المدقع الذي تصارعه القيادة الصينية، ليس سوى جزء من مشهد أكثر تعقيدا وغموضا عندما يتعلق الأمر بحقيقة الفقر في الصين.
الصين اليوم وعلى الرغم من أنها ثاني اقتصاد في العالم، تنتمي إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع، ودخل الفرد فيها لا يزال نحو ربع مثيله في الدول ذات الدخل المرتفع، وحيث إن البنك الدولي يوصي باستخدام 3.20 دولار أمريكي، و5.50 دولار أمريكي في اليوم كمعيارين لتقييم الفقر في الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى والمرتفع على التوالي، فإن المشهد الصيني قد يختلف عند الحديث عن نتائج معركتها مع الفقر وسبل القضاء عليه.
وعند تطبيق خط الفقر البالغ 5.50 دولار في اليوم على الصين، حيث تقع ضمن فئة الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع، فإن الإحصاءات تشير إلى أن 17 في المائة من السكان أي نحو 237.2 مليون نسمة لا يزالون يعيشون تحت خط الفقر، وتلك النسبة أعلى من دول أخرى تنتمي إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع.
مع هذا يقول الدكتور ميتشال تايلر أستاذ التنمية الاقتصادية في جامعة أدنبرة “إن تلك الأرقام لا تنفي أن ما أحرزته الصين من نتائج للتخفيف من حدة الفقر تظل مثيرة للإعجاب، حيث نجحت خلال عقد واحد فقط من رفع نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي بأكثر من عشرة أضعاف، فمن 940 دولارا فقط عام 2000 إلى 10410 دولارات تقريبا العام الماضي، وهذا ضعف معدل الزيادة التي حققتها روسيا ثاني أسرع اقتصادات مجموعة البريكس نموا”.
لكن الدكتور ميتشال تايلر يشدد على ضرورة تركيز الصين أكثر على الفجوة بين المدن والريف عند الحديث عن مجابهة الفقر.
ويؤكد لـ”الاقتصادية” أن المشكلة الحقيقية للفقر في الصين أنه يتركز أكثر في المناطق الريفية، ومعدلات الفقر في الريف أعلى بخمس مرات تقريبا من نظيرتها في المناطق الحضرية، ونتيجة لذلك تحدث عمليات هجرة ونزوح جماعي من المناطق الهامشية في الريف إلى المدن، ما يمثل ضغطا على البنية التحتية في المناطق الحضرية، وكذلك ينجم عنها عديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية ما يرفع معدلات الفقر في المدن أيضا.
وفي الواقع فإنه على الرغم من أعوام العطاء الأولوية للتخفيف من حدة الفقر في المناطق الريفية، لا يزال ملايين من سكان الريف الصيني يعانون انخفاض مستويات المعيشة، وربما يكون ذلك من أكثر التحديات الاجتماعية والاقتصادية إلحاحا في الصين حاليا، حيث تتزايد الفجوة التنموية بين المناطق الريفية في الغرب والمناطق الحضرية في الشرق.
لكن بعض الخبراء يرى أن جهود الحكومة الصينية خلال مكافحة فيروس كورونا، لم تصب كثيرا في مصلحة مكافحة الفقر في المناطق الريفية، فعمليات الإغلاق الطويلة في مناطق واسعة من البلاد، أدت إلى عدم قدرة سكان الريف على التوجه إلى العمل في المصانع في المناطق الحضرية، ما قلص الدخل المتاح في المناطق الريفية ورفع معدلات الفقر.
في هذا السياق، تقول لـ”الاقتصادية”،راديكا وايلد الأستاذة السابقة في جامعة بكين والاستشارية في عدد من المؤسسات الدولية لمكافحة الفقر، “انخفض الدخل بشدة بين العمال الريفيين خلال ذروة تفشي المرض في الصين في شباط (فبراير) وآذار (مارس) الماضيين، إذ فقد سكان الريف نحو خمس دخلهم خلال هذين الشهرين، في وقت ارتفعت فيه أسعار المواد الغذائية وتكاليف المعيشة، فإذا أضيف إلى ذلك انخفاض مستوى الرعاية الصحية والجوانب الاجتماعية الأخرى في الريف مقارنة بالحضر، فإن المتوقع تدهور مستوى المعيشة في الريف الصيني خلال هذا العام”.
وتضيف، “هناك مشكلة أخرى متعلقة بالدور السلبي للبيروقراطية الصينية والفساد في عرقلة الجهود الحكومية لمكافحة الفقر خاصة في الريف، فالحكومة الصينية تقوم بمنح مدفوعات مالية مباشرة للأسر الفقيرة في الريف، لكن المشكلة أن المسؤولين المحليين يحددون الأسر التي يمكنها تلقي المدفوعات، ما يوجد بيئة ملائمة للفساد، وخلال العام الجاري غطى البرنامج الحكومي 3.1 في المائة فقط من إجمالي سكان الريف”.
ويستند خصوم بكين على تلك الملاحظات، عادينها تعطي مشروعية للتساؤل حول مدى النجاح الفعلي للسلطات الصينية في جهودها للقضاء على الفقر في البلاد، في ظل التراجع الضخم الذي حدث في دخل سكان الريف والمهمشين من سكان المدن نتيجة تفشي وباء كورونا.
لكن حتى مع تلك الشكوك، تظل الصين نموذجا إيجابيا بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة والنامية على حد سواء في القدرة على إحداث تغييرات ملحوظة في مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، من خلال تعبئة الموارد المحلية لإحداث تنمية اقتصادية شاملة.










