▪︎ مجلس نيوز
في مفهوم المعادلة الاقتصادية لا يوجد أشد إيلاما من تعرض التوازن إلى اختلال عميق، فاختلال العرض والطلب في أي سلعة أو خدمة يقود فورا إلى ارتفاع في الأسعار، ثم نقص مصاحب في عناصر الإنتاج والمدخلات وبالتالي تعمق الفجوة في مسيرة طويلة، بحثا عن توازن جديد. وخلال هذا المسار من الاضطراب الاقتصادي تتعرض الأسواق لهزات عنيفة، وخروج شركات، ودخول أخرى، وضعف في هيكل القطاع، وارتفاع مفاجئ في الأسعار، مع معدلات تضخم مخيفة.
ولقد تسبب انتشار فيروس كورونا في اختلال واسع النطاق في التوازن الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بسلاسل الإمداد، وتوقفت مصانع مهمة حيوية في الشرق من العالم، حيث كانت بداية الأزمة، وحدثت إغلاقات واسعة النطاق هناك، ثم انتقلت الأزمة غربا وأصابت أوروبا والولايات المتحدة، وتعطل بسبب الإغلاق الكبير كثير من المصانع، وتوقفت حركة الإنتاج تماما.
لكن كان هناك حراك اقتصادي من نوع آخر، حيث شهدت التجارة الإلكترونية نموا غير مسبوق، وقفزت مبيعات أمازون في بدايات الأزمة 2020 بنسبة 40 في المائة، وخلال ثلاثة أشهر فقط، ولأن تلك التجارة تعتمد على التطبيقات، والجوالات فقد حققت شركة أبل زيادة مماثلة في مبيعات هواتفها الذكية. وهكذا ظهرت الاختلالات الرئيسة في القطاعات الاقتصادية، ذلك أن النمو القوي جدا للتجارة الإلكترونية كان يتطلب نموا مماثلا في قطاع الشحن، الذي تعرض في بدايات الأزمة لتوقف كامل ثم نمو معدلات ضخم مضطرب، حيث حذر صندوق النقد الدولي من عدم اتساق واضح في عودة الاقتصادات العالمية للنمو، وعدم الاتساق هذا يتسبب اليوم في صدمة لسوق الشحن الدولية مع عدم وجود الحاويات في المناطق الصحيحة والاقتصادات النشطة، التي تعاني نقصا هائلا في الحاويات الفارغة، فهي موجودة في المكان الخطأ، وعالقة في موانئ بعيدة لا توجد عليها طلبات لتحميل البضائع، وانتهى هذا الخلل اليوم بارتفاع أسعار شحن الحاويات إلى مستويات قياسية.
إن الشحن البحري وسهولة عملياته هما عصب حركة التجارة العالمية اليوم، حيث إن 90 في المائة من تجارة البضائع العالمية تتحرك عبر المياه الدولية، وتقدر قيمة هذه البضائع بنحو 11.1 تريليون دولار سنويا، وحجم هذا الشحن يعتمد أساسا على أربعة أركان، هي الموانئ الصحيحة، التي فيها الحاويات الكافية للسفن المناسبة والعابرة للمرات الآمنة، فأي نقص أو عطل في أي عامل من هذه العوامل سيسبب اختناقات في سلسلة الإمداد، وإذا لم تعالج هذه الاختناقات بسرعة فإنها تقود إلى أزمة نقل، ثم تكدس بضائع، وانهيارات اقتصادية. فمن هذا المنطلق إذا لم تكن الموانئ جاهزة أو أنها غير صالحة، أو أن الممرات الدولية غير آمنة فإن تكلفة الشحن ترتفع تبعا لارتفاع تكاليف التفريغ، وأيضا لتكاليف التأمين.
وفي هذا الصدد أبرزت جائحة فيروس كورونا الترابط العالمي فيما بين الدول، وأدت إلى ظهور اتجاهات جديدة ستعيد تشكيل مشهد النقل البحري. فهذا القطاع يمر بلحظة مفصلية، إذ إنه يواجه ليس فقط الشواغل المباشرة الناجمة عن الجائحة، بل أيضا الاعتبارات الأطول أجلا، التي تراوح بين التحولات في تصميم سلاسل الإمداد، وأنماط العولمة إلى التغيرات في عادات الاستهلاك والإنفاق.
وهنا لا بد أن نذكر نماذج حية، فقد شهد العالم أزمات منها حرب الخليج بين إيران والعراق، وتسببت في أزمة نقل عبر الخليج العربي، وأزمة أخرى هي إغلاق قناة السويس مع جنوح السفينة البنمية، لكن مثل هذه الأزمات كانت تقود إلى ارتفاعات طفيفة، لا تلبث أن تستوعبها الأسواق، لكن الظاهرة التي تشهدها سوق الشحن الدولية الآن مختلفة تماما.
تقارير من مصادر عدة رصدت أن مؤشر بورصة البلطيق في لندن للشحن البحري، الذي يتابع أسعار نقل حاويات قد ارتفع بأكثر من ثلاث مرات خلال عام ليصل إلى نحو سبعة آلاف دولار لنقل حاوية من الصين إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة، وهو رقم ضخم مقارنة بأي سجل سابق، كما أن تكلفة نقل حاوية إلى أوروبا قد وصلت إلى عشرة آلاف دولار، مقارنة بـ1600 دولار فقط في العام الماضي. وإذا كان البعض يرى أن هذه الأزمة كبيرة ودفعت إلى ارتفاع الأسعار على المستهلك النهائي، فإن أسبابها ليست معلومة بالكامل حتى الآن.
وتتفق معظم الجهات التي ترصد هذا الحدث على أن العالم يواجه نقصا حادا في الحاويات، وهذا يقودنا إلى تحذيرات صندوق النقد الدولي بشأن عدم التوازن في النمو العالمي، ولذلك فإن هذه الأزمة هي إحدى الظواهر الصعبة لذلك النمو المضطرب، لكن من الواضح أن الحاويات ليست هي المشكلة فقط بل تغير العادات الشرائية عند المجتمعات، التي تحولت بسبب الجائحة من الإنفاق على المطاعم، والسياحة، والسفر، نحو شراء السلع، ما أدى إلى زيادة غير طبيعية للطلب على قطاع الشحن العالمي. وقد سجلت شركات عالمية للحاويات والشحن أرباحا صافية تزيد على ملياري دولار في الربع الأول من 2021 فقط، وتشير تقارير إلى أن هذا يعادل 40 ضعفا من قيمة أرباحها في العام السابق.
وقد نشرت تقارير إعلامية تضمنت تصريحات عن هذه الشركات، حيث أفصحت عن ارتياحها البالغ لهذه الأرباح القياسية، فمنذ عشرة أعوام لم تحقق صناعة الشحن البحري كل هذه المليارات من الأرباح. إن هذا الطلب الكبير مع وجود أزمة حاويات، تسببا معا في حدوث ظاهرة مختلفة نوعا ما، ولمنح البضائع أولوية الشحن في الحاويات المتوافرة قررت شركات الشحن البحري اعتماد التسعير الفوري بدلا من التسعير التعاقدي، وذلك طمعا في اللحاق بالأسعار الحالية وتعظيم إيراداتها المالية، ما عزز من سقوف الأسعار الحالية التي قد تصبح أسعارا مرجعية في المستقبل.
ولهذا فإنه لا حل قريب إلا إذا استطاعت الموانئ العالمية المتعطلة حاليا العودة بسرعة كبيرة إلى حركة الأسواق العالمية، وبدأت الحوايات تعمل بسلاسة، لكن تغيرات اتجاهات المستهلكين للشراء عبر تطبيقات التجارة الإلكترونية التي برعت فيها بعض دول آسيا قد تؤخر هذا بشكل لافت، ما قد يجعل ظاهرة ارتفاع تسعير الحاويات تستمر في الوضع الحالي لفترة أطول. ومع ذلك فإن على شركات الشحن البقاء متيقظة، لأن هذه الأسعار المرتفعة قد تقود إلى استثمارات كبيرة في صناعة الحاويات، ومع عودة الحاويات الفارغة في الموانئ الأخرى حول العالم فإن انهيارا في الأسعار قد يكون عقابا قاسيا على الجميع.













