▪︎ مجلس نيوز
.
أدان إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي، في خطبة الجمعة، استهداف جماعة الحوثي الإرهابية لمكة المكرمة والمدينة المنورة ومطار الملك خالد الدولي بالرياض، واعتبرها من أعظم الجرائم المستنكرة شرعًا وعقلًا وقانونًا، مؤكدًا حرمة الحرمين الشريفين ومكانة المملكة، وداعيًا إلى حفظ أمن ال…
أدان إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي، في خطبة الجمعة، ما أقدمت عليه جماعة الحوثي الإرهابية وزمرتها الإجرامية من استهداف لمكة المكرمة والمدينة المنورة، وما أقدمت عليه تلك الزمرة من استهداف لمطار الملك خالد الدولي بالرياض، وما نجم عن ذلك من إزهاق للأرواح وترويع للآمنين وقتل للزوار والمعتمرين.
وأكد الشيخ الحذيفي أن هذه الأعمال تُعدّ من العظائم والجرائم التي تستنكرها الشريعة الإسلامية والعقول الزكية والفطر السوية والقوانين الدولية أشد الاستنكار، مشيرًا إلى أنها وإن كانت محاولات يائسة وأعمالًا بائسة، فإن التاريخ قد أثبتها في ديوان أهل البغي والفساد، وسجّل القرآن الكريم على أسلافهم من أصحاب الفيل سوء عدوانهم، وبشّر بعتيّ هزيمتهم وخسرانهم، في قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ».
وأوصى الشيخ الحذيفي المسلمين في مستهل خطبته بتقوى الله تعالى، مبيّنًا أن تقوى الله أحسن ما أسرّوه وأجمل ما أظهروه وأنفس ما ادّخروه، وأنها السبيل إلى السعادة الكبرى وخير الزاد في الدنيا والآخرة، مستشهدًا بقوله تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى».
وقال فضيلته إن الله سبحانه أودع في خزائن كتابه العظيم من الأحكام والحِكَم ما فيه مَقنع للعقول ومستراح للنفوس وشفاء للصدور، وفصّل فيه قصة الحياة الغابرة والرحلة العابرة للإنسان في هذه الدنيا، منذ أن لم يكن شيئًا مذكورًا إلى حين خلقه وتصويره، حتى ينقضي أمد رحلته القصيرة على هذه الأرض، ثم ما يكون من أمر حياته الأخرى الباقية من حين مماته إلى بعثه ونشوره، وما ينتهي إليه من حساب ومصير، مقرّرًا الغاية التي لأجلها أوجده وأنشأه، وما به تكون سعادته وشقوته، وقاصًّا أحوال الأمم الماضية والقرون السالفة في سلسلة متصلة من آيات القرآن وهداياته ترسم للمؤمن منهج حياته وتجيب عن تساؤلاته.
وتأمّل الشيخ الحذيفي مع المصلين سورة «ق»، مبيّنًا أن النبي ﷺ كان يخطب بها أو ببعضها يوم الجمعة، مستشهدًا بما رُوي عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها أنها قالت: «ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس»، موضحًا أن ذلك كان منه ﷺ لإلمام تلك السورة العظيمة بمعانٍ كبرى وغايات جُلّى، في نظم قرآني فريد وعقد بياني نضيد، يجمع إقامة الحجج الظاهرة والمواعظ الزاجرة، فيستحث النفوس ويستدرّ المدامع وينهض بالعزائم إلى صراط الله المستقيم.
وبيّن أن الله استهل السورة باستهلالة بديعة تستوقف القلوب أمام جلال هيبتها، وتطلق أعنّة الألباب في التفكر في لطائف دلالتها، حيث استفتحها بحرف من الحروف المقطعة أتبعه بقسم عظيم حُذف جوابه انتقالًا إلى القضية الكبرى: قضية البعث والحياة الأخرى، مقرّرًا تلك الحقيقة بما بثّه في صفحات الكون من دلائل قدرته الظاهرة وآياته الباهرة في قوله تعالى: «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ».
وأوضح الشيخ الحذيفي أن سياق السورة ينتقل بعد ذلك من صفحات الكون المشاهد إلى صفحات التاريخ الإنساني، استحضارًا لمصائر من تلقّى وحي الله بالتكذيب والإعراض، في قوله سبحانه: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ»، خاتمًا ذلك المعنى بتقرير القضية الكبرى التي استهلّ بها السورة: «أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ».
وأوضح أن السورة تأخذ المؤمن إلى تقرير معاني الإحاطة الربانية بالخلق والقدرة الإلهية عليهم، تذكيرًا بلحظات انطواء صفحات العمر وانقضائها، واستقبال الحياة الآخرة الباقية وما يكون فيها من أحوال وأهوال، وما تنتهي إليه رحلة الإنسان من نعيم أبدي أو شقاء سرمدي، في سياق يبتدئ بقوله جل وعز: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ»، ويختمها بموعظة ترتجف منها القلوب: «وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ».
وبيّن أن حديث السورة في أواخر مساقه يؤكد قضية البعث والنشور والحياة الأخروية الباقية، ليرسّخ في القلب أن قضية الإيمان بالله واليوم الآخر قضية محورية في حياة المؤمن، لما تلقيه من ظلال ندية وثمار جنية في حياته وواقعه، تتمثل في سكون النفس وطمأنينتها في خضم هذه الحياة وتقلباتها وتغيراتها المتسارعة ومكدّراتها، إذ يقطع المؤمن مسيرة الحياة ويخوض غمراتها بقلب يراقب الله ويرعى حقه وحق خلقه، وينظر إلى هذه الدنيا بأنها مرحلة من مراحل السير إلى الله.
وأفاد الشيخ الحذيفي بأن للحرمين الشريفين والمدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة عظيم الحرمة وجليل المنزلة عند الله وعند رسوله ﷺ وعند أهل العقيدة والإيمان على مرّ الحقب والأزمان، ما جعلهما حرمًا آمنًا وظلًّا وارفًا ومرتعًا وادعًا للعابدين والراكعين والساجدين وعموم القاصدين.
وفي ختام خطبته، دعا الشيخ الحذيفي الله تعالى أن يحفظ المملكة العربية السعودية مأرز الإيمان ومهبط الوحي ومهوى أفئدة المسلمين ومثوى سيد المرسلين من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وأن يوفق ولي الأمر خادم الحرمين الشريفين وولي عهده لما فيه خير العباد والبلاد، وأن ينصر الله جنود المملكة ويحفظ حدودها ويحمي ثغورها.














