▪︎ مجلس نيوز
.
تزايد ظاهرة التقاعد المبكر بين المعلمين والمعلمات يثير القلق ليس من زاوية الأعداد فقط، بل لما يمثله من خسارة لخبرات تراكمت عبر سنوات، ما يستدعي دراسات ميدانية تبحث في الأسباب الحقيقية وراء قرار مغادرة الميدان قبل السن النظامية. يوضح المقال أن جذور المشكلة تقع غالبًا بين ضعف الانتماء الوظيفي المرتبط…
أصبحت ظاهرة التقاعد المبكر لدى عدد من المعلمين والمعلمات تستحق الوقوف أمامها بجدية، ليس لأنها مجرد أرقام تزداد عامًا بعد عام، بل لأنها تمثل خسارة محتملة لخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من التعليم والتربية. فحين يختار أصحاب الكفاءة مغادرة الميدان قبل بلوغ سن التقاعد النظامي، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون كم عدد المتقاعدين بل السؤال الأهم لماذا قرروا الرحيل والتقاعد؟؟
ولأن الأسباب قد تختلف من شخص إلى آخر، فإن من الخطأ اختزال الظاهرة في تفسير واحد. فهي بحاجة إلى دراسات ميدانية علمية يتم فيها مقابلة المعلمين والاستماع لهم، ويتم تحليل واقعهم، وتحدد العوامل الأكثر تأثيرًا في اتخاذ هذا القرار. ومع ذلك، يمكن النظر إلى القضية من زاويتين مهمتين، هما الانتماء الوظيفي والاندماج الوظيفي.
فالانتماء الوظيفي يعني شعور الموظف بأن المؤسسة التي يعمل فيها تمثل جزءًا من هويته، وأنه يحصل فيها على الاحترام والتقدير، ويستمتع بالعلاقات الإنسانية مع زملائه وإدارته، ويثق في عدالة أنظمتها ووضوح إجراءاتها. الموظف المنتمي يحب مكان عمله، ويفخر بالانتساب إليه، ويشعر بأن بيئة العمل تحتضنه وتقدر جهوده.
أما الاندماج الوظيفي فهو أمر مختلف، إذ يتعلق بعلاقة الإنسان بالمهمة التي يؤديها أكثر من علاقته بالمؤسسة نفسها. فالمعلم المندمج هو الذي يجد في التدريس رسالة قبل أن يكون وظيفة، ويشعر بالحماس عند دخوله الفصل، ويستمتع ببناء عقول الطلاب، ويستغرق في أداء رسالته حتى ينسى مرور الوقت، لأن ما يقوم به يحمل بالنسبة له معنى عميق يتجاوز الراتب والمزايا الوظيفية.
ومن هنا تتضح الفروق بين مصادر كل منهما. فالانتماء ينشأ غالبًا من جودة بيئة العمل والإدارة الفاعلة، والأنظمة الواضحة، والعدالة في التعامل، والاحترام المتبادل، والعلاقات الإنسانية الراقية بين جميع منسوبي المدرسة أو المؤسسة التعليمية. وكلما كانت البيئة أكثر إيجابية، ازداد شعور العاملين بالانتماء إليها.
أما الاندماج الوظيفي، فمصدره الرئيس هو الإنسان نفسه فهو يبدأ من حب المهمة، وعشق ما يقوم به، والإيمان بأهمية الرسالة، والشعور بأن العمل يحقق قيمة حقيقية في حياته وحياة الآخرين. فالمعلم الذي يدرك أن كل حرف يعلمه قد يصنع طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو قائدًا في المستقبل، ينظر إلى عمله بعين مختلفة، ويستمد دافعيته من أثره الممتد في الدنيا، ومن الأجر العظيم الذي يرجوه عند الله تعالى.
ولهذا، فإن معالجة ظاهرة التقاعد المبكر ينبغي أن تبدأ بتشخيص السبب الحقيقي. فإذا أثبتت الدراسات أن المشكلة تكمن في ضعف بيئة العمل، فإن الأولوية يجب أن تكون لتحسينها، من خلال تطوير الإدارات التعليمية، وتعزيز العدالة التنظيمية، وتخفيف الضغوط غير الضرورية، وتحسين التواصل، وبناء ثقافة قائمة على الاحترام والتقدير والثقة.
أما إذا كان السبب الرئيس هو ضعف الاندماج الوظيفي، فإن الحل يكمن في إعادة إحياء معنى الرسالة التعليمية، وزيادة جرعات التدريب والتطوير المهني، وتمكين المعلمين من ممارسة أدوار أكثر إبداعًا، وربط رسالتهم بعظيم أثرها في بناء الأجيال، وبما أعده الله تعالى لأهل العلم والتعليم من الأجر والثواب. فكل طالب ينتفع بعلم تلقاه، وكل خلق حسن يكتسبه، وكل نجاح يحققه، قد يكون للمعلم نصيب من أجره ما دام أثر علمه باقياً.
وفي كل الأحوال، فإن المحافظة على المعلمين المتميزين والموهوبين ليست ترفًا إداريًا، بل استثمار وطني طويل الأمد. فالمؤسسات الناجحة لا تكتفي باستقطاب الكفاءات، بل تعمل على الاحتفاظ بها، وتوفير بيئة تجعل أصحاب الخبرة يرغبون في الاستمرار والعطاء، لا في البحث عن أقرب فرصة للمغادرة.
إن التقاعد المبكر قد يكون قرارًا شخصيًا مشروعًا، لكنه عندما يتحول إلى ظاهرة متكررة، فإنه يستحق الدراسة والقراءة المتأنية. فكل معلم يغادر الميدان يحمل معه قصة، ويجب علينا الاستماع إلى تلك القصص، وسنجد فيها بإذن الله مفاتيح تطوير التعليم، والمحافظة على أغلى ما تملكه المدارس لأن الإنسان هو الذي يصنع الإنسان.
حسن آل عمير













