▪︎ مجلس نيوز
.
أطلق المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه “مائي” حملة بعنوان ” الله لايبين غلاه” لبيان أثر المياه في حياة الإنسان. وهذه الجملة تقال في الثقافة عادة للشخص الغالي-للدلالة على غلاوته وأنه نفيس بنفاسة الماء، وأن فقدان هذا الشخص مؤلم إلى حد قد يغير من حياة الشخص الفاقد، وهو ما يتواكب مع أهمية المياه ودورها في حياة الإنسان. ولعل في الحملات الاتصالية لا نكتفي باستخدام مثل هذه الجملة، فمثلا هذه الجملة نادرا تستخدم مثلا في المنطقة الغربية في المملكة، ولعل الجملة المقابلة في الغربية: “الله لا يوريك قديش غلاوتك في قلبي”، وبالتالي فالجملة كانت غريبة في شوارع المدينة المنورة على سبيل المثال.
هذه المقدمة تؤكد أنه في الحملات الاتصالية لا نكتفي بجودة الفكرة وحدها لتحقيق التأثير، بل إن نجاح الرسالة الاتصالية يرتبط بمدى قربها من الناس ثقافيًا ولغويًا واجتماعيًا. ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض الحملات الاتصالية في العالم العربي عمومًا، وفي السعودية خصوصًا، افتراض أن المجتمع كتلة لغوية واحدة، بينما الواقع يؤكد أن لكل منطقة مفرداتها، وإيقاعها اللغوي، وتعابيرها اليومية التي تشكل جزءًا من هويتها الثقافية.
وعبارة “الله لا يبين غلاه” التي تبنتها “مائي” في حملتها الاتصالية قد تكون مألوفة ومتداولة في بعض مناطق المملكة، لكنها في الحجاز – وخصوصًا في المدينة المنورة ومكة وجدة – ليست من العبارات المستخدمة يوميًا، بل بدت غريبة على كثير من الناس، حتى إن بعضهم سأل عن معناها. وهنا تظهر المشكلة الاتصالية وهو عندما يشعر الجمهور أن الرسالة “ليست من لهجته”، فإنه يفقد جزءًا من ارتباطه العاطفي بها، مهما كان الهدف منها نبيلًا أو مهمًا. والاتصال الفعّال لا يعني فقط إيصال المعلومة، بل يعني بناء شعور بالألفة والثقة والانتماء، ولذلك فإن الحملات الوطنية الكبرى ينبغي أن تراعي التنوع اللغوي والثقافي داخل المملكة، خصوصًا أن السعودية تمتلك ثراءً اجتماعيًا كبيرًا، ففي نجد توجد تعبيرات مختلفة عن الحجاز، وفي الجنوب توجد مفردات لها خصوصيتها، وكذلك في المنطقة الشرقية والشمالية.
ولهذا يمكن للحملات الاتصالية أن تسلك أحد مسارين، الأول، اعتماد “اللغة البيضاء” المفهومة للجميع، وهي لغة عربية بسيطة قريبة من الناس دون الانحياز للهجة معينة، الثاني، تخصيص الرسائل بحسب المناطق، بحيث تُنتج نسخ متعددة للحملة تراعي الخصوصية المحلية لكل مجتمع، كما تفعل كثير من الشركات العالمية في تسويق منتجاتها داخل الدول المتنوعة ثقافيًا.
بقي القول، إن حملة ” الله لا يبين غلاه” قد تكون ناجحة وحققت أهدافها في بعض مناطق المملكة، لكن ينبغي في الحملات اللاحقة مراعاة الفروقات اللغوية باعتبارها ليست ترفًا إعلاميًا، بل جزء أساسي من الاحتراف الاتصالي. فالكلمة القريبة من الناس تلامسهم مشاعرهم سريعا، وتبقى في ذاكرتهم طويلا، بل وتحقق أثرًا كبيرا خصوصا في زمن أصبحت فيه الرسائل الإعلامية تتنافس على جذب انتباه الجمهور في ثوانٍ معدودة. عليه فإن فهم اللغات واللهجات ليس خيارا قبل للنقاش، بل ضرورة استراتيجية لنجاح أي حملة اتصالية.
مستشار وخبير اتصالي.
Source ajel









