مجلس نيوز | majlis-news
“خطوة أخرى على طريق المستقبل، لكنها تتضمن في جوهرها قفزة تاريخية تهدف هذه المرة إلى إحداث تغير جذري يتعلق بقلب السعودية النابض.. يتعلق بالرياض، فهدف الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، يتجاوز عملية التحديث أو إعادة منح مظهر جديد للعاصمة السعودية، الهدف هو تأهيل المدينة لعملية دمج عملي في رؤيته المستقبلية للمملكة كلها، لتكون رمزا للسعودية، ليس فقط بوصفها عاصمتها، إنما بوصفها مدخلا لعصر سعودي جديد”.
بتلك الكلمات حلل رجل الأعمال أيه. سي. سيمون، تصريحات الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، بشأن رؤيته لمستقبل العاصمة الرياض.
ربما تعكس تلك القراءة موقف قطاع كبير من رجال الأعمال الدوليين الراغبين في التفاعل الإيجابي مع رؤية الحكومة السعودية 2030، لكن حديث الأمير محمد بن سلمان، مع السيناتور ماتيو رينزي رئيس الوزراء الإيطالي السابق عضو مجلس الأمناء في مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار، خلال مشاركته في الدورة الرابعة لمبادرة مستقبل الاستثمار في الجلسة التي جاءت تحت عنوان “مستقبل الرياض”، تكشف عن معطيات جديدة تتجاوز ما طرح سابقا من مشاريع عملية لتحديث البنية التحتية السعودية استعدادا لمرحلة جديدة ذات طابع نوعي مختلف.
فعملية التحديث التي يطرحها ولي العهد، بشأن الرياض، لا تقف عند حدود إعادة تجديد المدينة بنيويا، إنما إعادة تشكيلها جذريا، لتصبح قاطرة قيادة التطور الاقتصادي في المملكة، ليس فقط بوصفها العاصمة ومركز الحكم، لكن بامتلاكها مقومات حقيقية للقيام بدور مميز داخل الاقتصاد السعودي من جانب، ولمحوريتها في رؤية المملكة لذاتها كدولة، في سباقها للقيام بدور قيادي عالمي يتلاءم مع معطيات المستقبل.
ويعتقد رجل الأعمال أيه . سي. سيمون، أن تصريحات ولي العهد السعودي، ستمثل عامل استقطاب لعشرات، وربما مئات المليارات من رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في هذا المشروع، وأن تفاصيل الرؤية السعودية والطابع الحداثي والمستقبلي فيها كفيلان بضمان تحقيق أرباح ضخمة، ليس عبر ضمان الدولة السعودية لنجاح المشروع، لكن من خلال تفرد المشروع وتكامله ضمن رؤية عامة وشاملة للنهوض بالاقتصاد السعودي.
الدكتورة جورجي بلير الخبيرة في مجال المدن والتنمية الحضرية، تعد طروحات ولي العهد السعودي، بشأن الرياض، منسجمة تماما مع طروحاته العامة ورؤيته لتحديث المملكة. ولكن بخلاف مشروع نيوم، وغيره من المشاريع المستقبلية الأخرى في السعودية، فإن الأمير محمد بن سلمان يضع، اليوم وبحديثه عن تطوير البنية التحتية للعاصمة ورفع جودة الحياة فيها بشكل أفضل، يده على النقطة الفاصلة للتطوير بإيجاد “منصة انطلاق” للمضي قدما في إدماج السعودية في الاقتصاد العالمي الجديد.
وتقول لـ”الاقتصادية”، “حديث ولي العهد السعودي عن مستقبل العاصمة يجعلها فعليا نموذجا قد يتجاوز بشكل كبير المدن والعواصم التقليدية حتى الأكثر حداثة في منطقة الشرق الأوسط، وبذلك فهو يوجد أرضية يمكن لعملية التطوير الاقتصادي الجذري التي تقوم بها الحكومة السعودية أن ترتكن عليها، وهذا أمر شديد الأهمية والضرورة لضمان نجاح عملية التحديث في السعودية، فالمشاريع التنموية ذات الطابع المستقبلي ليست معلقة في فضاء الرغبة والتمنيات، لكن لا بد من أن يوجد لها نموذج على أرض الواقع، تستلهم منه حركتها ونموها، وهذا تحديدا ما يرغب فيه ولي العهد بطرحه الأخير بشأن الرياض”.
وخلال حديثه، أوضح ولي العهد، أن المدن محور رئيس في التنمية، مشيرا إلى أن الاقتصادات العالمية قائمة على المدن، وليست الدول، وأن 85 في المائة من اقتصادات العالم تأتي من المدن، وسترتفع هذه النسبة إلى 95 في المائة في الفترة المقبلة.
حديث الأمير محمد بن سلمان يتفق تماما مع الاتجاه الديمغرافي العالمي منذ عام 2009، حيث تعيش النسبة الأكبر من سكان العالم في المناطق الحضرية. وتحولت المدن إلى نقاط ارتكاز لخدمات التمويل والابتكار والقطاعات الحيوية، لكن من الواضح أن حديث ولي العهد السعودي يتجاوز حدود النظرة الاقتصادية المحدودة للمدن باعتبارها “البطة التي تبيض بيض ذهب” إلى مفهوم أوسع في هذا الشأن.
وفي هذا السياق، يعلق لـ”الاقتصادية” الدكتور لي ستيوارت أستاذ التنمية العمرانية في جامعة جلاسكو، قائلا، “حينما يتحدث ولي العهد السعودي عن استهداف أن تكون الرياض من أكبر عشرة اقتصادات مدن في العالم، فهو يتحدث عن ذلك في إطار الاقتصاد المستقبلي، اقتصاد قائم على الابتكار والإبداع، اقتصاد يعتمد على دمج الفئات الشبابية من الجنسين في عملية إنتاجية غير تقليدية، قوامها التكنولوجيا، بما يعنيه ذلك من ضرورة تأهيل البنية التحتية، سواء في جانبها المادي أو البشري، وبذلك فإن كلمات ولي العهد على بساطتها تختزل رؤية متكاملة تدمج القدرات المادية والبشرية في السعودية، في هيكل تنموي واحد قادر على استخدام القدرات المتاحة لحدها الأقصى”.
ويضيف، “عندما يستهدف الأمير محمد بن سلمان، أن تكون الرياض من أكبر عشرة اقتصادات مدن في العالم، فنحن لا نتحدث عن عملية تنمية تقليدية، إنما عن قفزة اقتصادية تعد بمنزلة تحول نوعي يتطلب تغيرا في الأساس المجتمعي، بحيث تتحول الرياض من عاصمة إلى مركز إشعاع لإلهام المجتمع السعودي بشأن المسار المستقبلي الواجب اتباعه”.
وإذ كانت تصريحات ولي العهد السعودي، بشأن مستقبل الرياض، تتسق مع نهجه الشخصي عبر التأكيد الدائم أن مواصلة البناء تتطلب جهودا تراكمية، وأن تلك الجهود بحاجة إلى فترات زمنية طويلة لتؤتي أكلها، لكنها تظل ضرورية لضمان صلابة البنيان، والأهم قدرته على تحمل التطورات النوعية غير التقليدية ذات الطابع الاستثنائي، فمن دون تلك التراكمات لن يكون البنيان قادرا على تحمل التحولات التي تتطلبها عملية التحديث.
وتجلى هذا المفهوم في الإشادة بجهود الملك سلمان بن عبدالعزيز، خلال أكثر من خمسة عقود أميرا لمنطقة الرياض، وقيادته جهودا تشيد بنية تحتية مميزة للرياض، لم يكن من الممكن دونها الترتيب لعملية التطوير المبتغاة، ما سمح للعاصمة السعودية، وفقا لتصريحات ولي العهد السعودي، بأن تشكل 50 في المائة من الاقتصاد غير النفطي في المملكة، وأن تسمح بأن تكون تكلفة إيجاد الوظيفة في الرياض أقل 30 في المائة من أي مدينة أخرى، بينما تبلغ تكلفة تطوير البنى التحتية والعقارية في الرياض أقل بـ29 في المائة من المدن السعودية.
وحول تلك النقطة تحديدا، يعتقد أريك جورج الباحث في مجال تنمية المدن، أن كشف الأمير محمد بن سلمان، عن أنه سيتم إعلان أكبر مدينة صناعية في العالم في الرياض، لا يتوقف فقط على خطة إنفاق 220 مليار دولار لتطوير الرياض فحسب، لكن الأهم أنه ينسجم مع رؤية المملكة 2030.
ولـ”الاقتصادية”، يعلق قائلا، “الهدف ليس تشييد مدينة صناعية هي الأكبر عالميا، من أجل أن تكون الأكبر فحسب، إنما يتسق هذا مع الجهود الرامية إلى تنويع الاقتصاد السعودي، وعدم الاعتماد على النفط كمصدر رئيس وحيد للناتج المحلي الإجمالي، وبذلك تضفي تلك الخطوة مزيدا من الاستقرار على الاقتصادي السعودي عبر تنويع جوانبه الإنتاجية. وبالطبع، فإن الاستقرار والتنوع مدخلان أساسيان لضمان تحديث الاقتصاد الوطني، ومن ثم إمكانية إدماجه في الاقتصاد المستقبلي على أساس أكثر متانة، دون الدخول في مرحلة من التموجات والتقلبات التي لن تصب بأي حال من الأحوال في مصلحة الاقتصاد السعودي”.
لكن رؤية “رياض المستقبل”، التي طرحها ولي العهد، اتسمت في الجزء الأساسي منها بفهم واع للغاية بأحد أبرز التغيرات الجارية على الساحة الدولية للمدن الحديثة، التي ستحظى بمزيد من الاهتمام والشعبية في المستقبل.
فدمج الرياض في اقتصاد الغد لن يكون عملية مبنية على أساس محاسبي جاف، قائم على معايير الربح والخسارة بمعناها المباشر فقط، ففي نهاية المطاف رؤية التطوير المطروحة ذات طابع إنساني يندمج فيها البشري والجغرافي معا ضمن مسار اقتصادي واضح، ولا يمكن لتلك الرؤية أن تنال هدفها النهائي دون الاهتمام بالمحددات البيئية باعتبارها ضلعا أساسيا في تحديث الرياض.
بدورها، تقول لـ”الاقتصادية” الدكتورة لورين شودري أستاذة التطوير البيئي والاستشارية في عدد من المؤسسات الدولية المعنية بشؤون البيئة، “حرصت السعودية على الإشارة بوضوح إلى خطط لتشجير ملايين الأشجار في الرياض لخفض درجة الحرارة ومستوى الغبار، وإنشاء محميات حول المدينة لتحسين الوضع البيئي”.
وتؤكد أن عملية التخطيط لم تقف عند الحدود الاقتصادية على الرغم من جوهريتها، إنما أخذت البعد الإنساني في التخطيط، وهذا الاهتمام بالبعد البيئي لخدمة الانسان، لا يمثل إضافة زخرفية للمشروع، لكن يظهر أن الأمر لا يقف عند مشروع يرمي إلى زيادة الناتج القومي السعودي فقط، إنما على رؤية يظل جوهرها الإنسان، بإيجاد بيئة متوازنة قادرة على احتوائه، سواء في شقها الاقتصادي المادي، أو في شقها البيئي الجغرافي، لتكون في مجملها قادرة على تحقيق توازن للتأسيس لمجتمع صحي وأكثر وعيا بذاته.











