في كل مرة يأتي الاهتمام الأكبر للتعليم وللارتقاء به ولا غرابة، فالتعليم بوابة التنمية لكل الأوطان، والارتقاء به هو الخطوة الأولى التي تتبعها خطوات التقدم والتغيير والتطور والتنمية الشاملة. وهنا أتذكر كلمات الدكتور القصيبي في كتابه «التنمية.. الأسئلة الكبرى» بأن التوصية التي توصل إليها بعد ربع قرن من معايشته للتنمية، نظرية وواقعا، هي أن الطريق إلى التنمية يمر أولا بالتعليم، وثانيا بالتعليم، وثالثا بالتعليم، فالتعليم باختصار هو الكلمة الأولى والأخيرة في قضايا التنمية. والحديث عن التنمية بكل مجالاتها وحقولها لا يمكن أن يتم دون أن يعبر جسر التعليم. فبالتعليم تزدهر التنمية، وتعمر البلدان، ويرتقي الإنسان. لهذا جعلت معظم المجتمعات التعليم على رأس أولوياتها، إذ ترى فيه مصدر قوة لها ولأبنائها، كما أن التنمية بمفهومها الأوسع لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا عن طريق التعليم ومؤسساته وأفراده.
الأمر المهم الذي ينبغي ذكره هنا أن تنمية أبناء المجتمع ليست قضية تخص مؤسسات التعليم وحدها، وأن التعليم ليس محصورا في مدرسة أو قاعة دراسية، إذ إن رسالة التنمية الدائمة هي دعم الأفراد حتى يستطيعوا بلوغ مستويات أعلى للتعلم والتطور المهني في أي مؤسسة وفي أي قطاع، لهذا السبب وغيره تبرز تنمية الأفراد بالتعلم والتعليم، وهذا التعليم قد لا يكون فاعلا ومؤثرا إن لم تتوفر له ولمنسوبيه درجة مرتفعة من التنمية المهنية. لذا كانت العلاقة التكاملية القوية بين التعليم والتنمية أمرا تتطلع إليه المجتمعات، ويسعى له الأفراد.
عند الحديث عن مفهوم التنمية المهنية ، ندرك أن هناك خلطا كبيرا بين التنمية كمفهوم، وبين مصطلحات أخرى، كالنمو المهني، والتطوير المهني، والتدريب وغيرها، إلا أن كل مصطلح يحمل مفاهيم وأبعادا مختلفة.
وبالنسبة للقصيبي فالنمو لا يقارن بالتنمية، ذلك أن التنمية تتضمن نضجا علميا كافيا، وكفيلا بأن يشمل مجالات عدة، ودون أن تكون تلك التنمية في صالح جانب على حساب جوانب أخرى، وهذا بالذات ما قد يحصل في المعنى الذي يقدمه مصطلح النمو، فقد يتحقق النمو في جزء دون أجزاء، أو لصالح فئة دون فئة، ودون المفهوم الشمولي يفتقد النمو المعنى الحقيقي للتنمية.
ويعبر مصطلح التطوير المهني عن تلك الجهود التي تعمل على تقليل الفجوة بين الأداء الحالي للأفراد، وبين ما هو مطلوب منهم لتحسين الأداء.
والتنمية المهنية مصطلح شامل ومتكامل، يضم تحت مظلته كثيرا من المصطلحات. فيمكن القول إن التدريب والإعداد اللذين يقدمان للعاملين ما هما إلا وسيلة من وسائل التطوير المهني الذي بدوره يعد جزءا يسيرا من وسائل التنمية المهنية. كما أن التدريب لا يمكن أن يكون كافيا لتحقيق التنمية المهنية للأفراد، فقد يتطور الأداء المهني من خلال مجموعة البرامج المقدمة، إلا أن هذا لا يحقق المعنى الشامل لمصطلح التنمية المهنية.
إن أهداف التنمية المهنية وأهميتها تتجلى في آثارها على المؤسسات والعاملين بها، فبالتنمية المهنية يرتقي الفرد، وبهذا الارتقاء تتقدم المؤسسات وتتميز، ويتضح شمولها وتركيزها على الجانب المهاري، والعلمي، والتقني، وتتسع لتشمل مستويات الفرد، ومستويات المجموعة. فمن جهة الفرد، تحقق التنمية المهنية مبدأ الارتقاء بالإنسان بشكل متكامل، وتحدث تغييرا جوهريا في حياته، بتصحيح اتجاهاته، وإكسابه طرقا وأساليب أكثر جودة، وتوسع خياراته، وتساعده في التعرف على مكنونات ذاته، وتنمية قدراته، كما أن تلك الأهداف تؤكد أن التنمية المهنية تستهدف جودة العمل، وإعداد وبناء قيادات متميزة، وتطوير السياسات والإجراءات لتتواكب والتنمية الشاملة للمجتمع. إن الأخذ بمفهوم التنمية المهنية والاهتمام بأهدافها، لم يعودا خيارا للمؤسسات، بل وسيلة تسهم في بلوغ غايات البلاد، وطموحات المجتمع يشكل يساير التقدم العلمي الكبير في العالم.
ومن أساليب التنمية المهنية، التي تهدف إلى زيادة قدرة الأفراد وتميزهم في الأداء: التدريب الوظيفي أو الندب الوظيفي من جهة العمل، إضافة إلى أساليب فرق ومجموعات العمل، بما تحققه من تكوين روح التفاعل والإيجابية والمساواة وتنمية القدرات المهارية والإبداعية للأفراد، كما يضيف أساليب الإعارة للموظفين إلى جهات أخرى، وكذلك المؤتمرات والندوات الرسمية، وبرامج التعاقب الوظيفي، الذي يعنى بتأمين كفاءات ذات مستوى رفيع للمؤسسة، وأخيرا أسلوب وبرامج الظل الوظيفي الذي يرافق فيه الموظف موظفا مؤهلا ومتخصصا ذا كفاءة عالية.
والأكيد أن استخدام أسلوب معين لا يتناقض مع الأساليب الأخرى، وتعدد تلك الأساليب إنما جاء ليخدم التنمية المهنية، ويدعم تحقيقها، فحين لا تتلاءم بعض الأساليب أو لا تحقق نجاحا، فلا يعني ذلك أن التنمية غير قابلة للتحقق، بل إن اختيار الأسلوب الأمثل والإجراء المناسب لاحتياجات الأفراد وظروف المؤسسات، تؤدي إلى الرقي والوصول إلى التنمية الحقيقية.







