من الواضح أن بريطانيا تواجه المصاعب الأكبر على صعيد مواجهة وباء كورونا المستجد، ليس من ناحية ارتفاع عدد ضحايا هذا الوباء قياسا بالعدد الكلي للسكان، ولكن من جهة السلالة الجديدة المتحورة للفيروس التي ظهرت في المملكة المتحدة بصورة مفاجئة بالطبع، ولكنها مخيفة في الوقت نفسه. وبصرف النظر عن مدى الضرر الذي ستسببه هذه السلالة بين الناس اجتماعيا واقتصاديا، إلا أنها لا شك الأسرع انتشارا، وتفوق في سرعتها الفيروس الأصلي الذي ضرب العالم ولا يزال. لا أحد لا في بريطانيا ولا في العالم كان يتوقع هذا التحول الخطير في مسار الوباء بشكل عام، تماما كما كان الأمر بالنسبة إلى فيروس كوفيد – 19 الذي صدم العالم بظهوره وانتشاره وآثاره الصحية والمعيشية والاقتصادية والحياتية، وهذا ما جعل الحكومة البريطانية تعيش فترة هي الأكثر حرجا من الفترات السابقة على صعيد الوباء بشكل عام.
هذه السلالة فرضت تبعات وتداعيات جديدة على مؤشرات نمو الاقتصاد البريطاني، بدأت بالفعل من خلال إقدام عشرات الدول على حظر السفر من وإلى المملكة المتحدة خاصة الأوروبية منها، حتى إن اسكتلندا نفسها أغلقت حدودها مع إنجلترا لتفادي وصول الفيروس الجديد السريع إليها، أو على الأقل لتأخير وصوله إلى هذه المقاطعة البريطانية. ولأن الأمر كذلك فرضت فرنسا الحظر على بريطانيا لمدة 48 ساعة، إلى أن تتضح الصورة. وهذا الحظر هو الأشد خطرا على حركة الاقتصاد البريطاني على اعتبار أن الشريان التجاري الأكبر للمملكة المتحدة مع أوروبا والعالم يتم عبر فرنسا.
هذا الأمر، زاد من حدة المخاوف على الساحة البريطانية، إلى حد باتت البلاد تتحدث عن نقص في الإمدادات الغذائية حتى الطبية، ما أجبر الحكومة على التأكيد بأن إمدادات الأدوية ستتكفل بنقلها وتأمينها القوات المسلحة في البلاد. كل هذا يجري، ولا أحد يعرف كيف ستسير أمور المفاوضات الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكست” التي تعثرت عشرات المرات، وتم تمديدها عدة مرات أيضا، ولا سيما أنه لم يتبق سوى أيام على ساعة حسم هذه المسألة المعقدة في نهاية العام الجاري. “بريكست” إلى جانب تبعات الوباء الأصلي، وتلك التي بدأت تظهر بفعل السلالة الجديدة الأولى لكورونا في المملكة المتحدة، عوامل ضغطت بقوة على الاقتصاد الوطني، الذي يعاني أصلا انكماشا تاريخيا وركودا وصفته الحكومة نفسها بأنه الأعمق منذ 300 عام. كان طبيعيا أن تتأثر سوق لندن بالتطورات الوبائية الجديدة، حتى إن مؤشر “فاينانشيال تايمز” الرئيس في بورصة لندن خسر في الساعات الأولى من تعاملات اليوم الأول في الأسبوع الجاري أكثر من 35 مليار جنيه استرليني. والأمر ليس أفضل كثيرا على ساحة البورصات الأوروبية الأخرى التي شهدت ضغوطا كبيرة، خصوصا مع إجراءات الحكومات فيها حيال كورونا الأول والثاني الآتي من بريطانيا.
التطورات السلبية هذه ضربت الجنيه الاسترليني بعد أن شهد في الأيام السابقة بعض الانتعاش، استنادا إلى الآمال بإمكانية التوقيع على اتفاق بين لندن وبروكسل لإتمام خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. كل هذه العوامل، تؤكد مجددا أن الاقتصاد البريطاني يسير من سيئ إلى أسوأ، ولا سيما مع إقدام حكومة بوريس جونسون على إعادة إغلاق أغلبية المناطق في البلاد، لمحاصرة كورونا الجديد، وهذا ما يبرر إعلان الحكومة تمديد مخططات الإنقاذ الاقتصادية، بما في ذلك توفير الرواتب للعاملين في القطاعين العام والخاص، ودعم المؤسسات المترنحة، والحفاظ ما أمكن على الشركات من كل الأحجام. الإصابات الجديدة في بريطانيا بكورونا تعد هي الأكبر حتى في عز انتشار الوباء الأصلي، في حين يجري الحديث بين المسؤولين على أن يستمر الإغلاق لشهور عدة، رغم أن بريطانيا كانت من أوائل الدول التي أسرعت للاستجابة بإعطاء مواطنيها لقاح فيروس كورونا الجديد، بل أيضا في مقدمة الدول التي بادرت في المساهمة لتقديم لقاح إضافة إلى سلسلة اللقاحات التي صنعت في الدول الأخرى.











