▪︎ مجلس نيوز
منذ انفجار جائحة كورونا وتفاقم انتشارها حول العالم، ظهرت أزمة هي الأولى ضمن الكارثة الاقتصادية التي جلبتها هذه الجائحة، وارتفعت معها فورا أعداد العاطلين عن العمل، بسبب التسريح والإغلاق وتوقف كثير من النشاطات التجارية، خاصة القطاعات الحيوية التي تولد الوظائف، وبات ملايين البشر تحت قسوة الجوع والفقر في معظم الدول، بما في ذلك دول غربية متقدمة.
الأعمال أغلقت، ومؤسسات من كل الأحجام خرجت بالفعل من السوق، فلا حراك اقتصاديا لفترة كانت كافية لتكريس عدد العاطلين وزيادته في مدة لا تتجاوز الـ17 شهرا، وهي المسافة الزمنية بين انفجار كورونا حتى يومنا هذا. إنها مدة قصيرة بالفعل، إلا أنها جلبت كثيرا من المشكلات الاقتصادية التي لا يمكن حلها بسرعة، وسط الضغوط التي لم تنته بعد على الموازنات العامة حول العالم، بما في ذلك الدول المتقدمة.
ويمكن ربط قضية العطالة بارتفاع معدلات الفقر وفق عملية حسابية اقتصادية منطقية، وذلك في ظل قلة وانعدام دخول كثير من الشرائح التي تفقد وظائف، بسبب ظروف معينة ومنها توقف النشاطات التجارية خلال فترة انتشار فيروس كورونا، التي أدت إلى الاستغناء عن كثير من العمالة البشرية. وتؤكد منظمة العمل الدولية، أن الأزمة الاقتصادية الناجمة عن كورونا تسببت في فقدان أكثر من 220 مليون إنسان وظائفهم، وليس هذا فحسب، بل أغرقت أكثر من 100 مليون شخص في الفقر، وهذا أيضا يأتي في سياق طبيعي، فالبطالة في كل أزمة تنتج الفقر وتزيد من معدلاته وعلى مستوى الدول كافة دون استثناء حتى الدول الغنية منها، كما أنها ترفع أيضا من أعداد الشريحة التي تسكن تحت خط هذه الآفة. وفي العقدين الماضيين، تمكنت برامج الأمم المتحدة الإنمائية من خفض عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر حول العالم، إلا أن الأزمة الاقتصادية الراهنة، ضربت بعضا من إنجازات هذه البرامج في هذا الميدان.
الأهم حاليا، أن هذه المشكلة الكبيرة “الفقر والجوع” ستستمر بعض الوقت، حتى في ظل عودة الحياة الاقتصادية حول العالم تدريجيا، فالأمر يتطلب وقتا للوصول إلى وضعية مرضية في هذا المجال، ربما حتى نهاية 2023 وما بعده. لكن المشكلة الأكبر، أن عدد العاطلين عن العمل سيرتفع حتى أثناء التعافي الاقتصادي الراهن، بصرف النظر عن الفوارق في وتيرته بين هذا البلد أو ذاك، فمنظمة العمل الدولية تتوقع أن تضيف الأزمة 75 مليونا بنهاية العام الجاري، مقارنة بما سيكون عليه الوضع لو لم تحدث الجائحة، وهذا ما دفعها إلى التأكيد على أن عدد الوظائف سيظل أقل بنحو 23 مليون وظيفة بحلول نهاية العام المقبل.
التعافي الاقتصادي الراهن يولد وظائف للعاطلين عن العمل، وسيعيد الحراك إلى ما كان عليه قبل تفشي كورونا عالميا، لكن حتى هذا الحراك لن يكون كما كان قبل الجائحة، لأن هناك كثيرا من المتغيرات على الساحة الاقتصادية أتت بها الأزمة وستبقى إلى الأبد، بما في ذلك تبدل طبيعة السوق نفسها. ومن هنا، فإن عددا من هؤلاء العاطلين الذين أنتجتهم الجائحة لن يتمكنوا من العودة إلى وظائفهم، ويشكلون شريحة واسعة، وهذا ما سيضمن وجودهم في قوائم البطالة بشكل مستمر، مع بعض الاستثناءات بالطبع.
كما أن شركات ومؤسسات من كل الأحجام اختفت بصورة كاملة من السوق بسبب الجائحة، في قطاعات الخدمات والسياحة والسفر حتى الضيافة وغيرها، ولم تعد ذات أهمية في الحقبة المقبلة على هذا العالم. أضف إلى ذلك، أن التكنولوجيا أظهرت مدى أهميتها ونجاحها في الحلول مكان الإنسان في مجالات عديدة من الأعمال، التي تقوم بها والخدمات التي تقدمها.
ستبقى الأزمة الاجتماعية الناجمة عن توسع دائرة العاطلين عن العمل حول العالم موجودة لأعوام عديدة، وهي متفاوتة من دولة إلى أخرى، فبعض الدول يمكنها أن تتولى أمر العاطلين، بصرف النظر عن مستوى كرمها في هذا المجال، بينما ليس هناك ما يضمن لهؤلاء مستقبلا كريما في بعض الدول الأخرى.













